كيف تعلم الانسان الصيد

لم يكن الإنسان مبتكرا حين مارس الصيد في العصر الحجري القديم والعصور السابقة له لتلبية احتياجات بقائه ، فشأنه في ذلك كمعظم الحيوانات ، الذين تقودهم غرائزهم الاصطياد فرائسهم وانتزاع أسباب البقاء في الصراع من أجل الحياة . إلا أن نجاح الإنسان في الارتقاء من دوره الذي فرضته ضروريات الحياة عليه كصياد ، إلى مهنته التي احترفها كقناص ، كانت بفضل ابتكاره أدوات وأساليب أكثر مهارة من استعماله الأحجار التي يصادفها للإيقاع بفريسته .
ففي العصر الحجري القديم – قبل أكثر من مليون سنة وقبل أن تسود الثقافة الشيلية – كانت استخدامات الإنسان للأحجار عموما على طبيعتها وكيفما يتهييء له مصادفتها ، دون أن يمسها بتعديل أو تطوير . واستمر اعتماده على هذه الأحجار وعلى النار – حين يتاح له شعلة منها حتى العصر الحجري القديم الأدني قبل أكثر من مئة ألف سنة (ق.م) كسلاحين لا يملك غيرهما للتغلب على أعدائه من الكائنات الأخرى . ثم بدأ بتشكيل الأدوات من الحجارة وبخاصة الصوان ، فشطف شظايا هذه الأحجار وأرهف جوانبها ودب أطرافها ونال من أوساطها ليحسن قبضتها ، وهكذا تمكن من أن يشكل من هذه الأحجار عددا مفيدة لاستخدامات متعددة ، فكان منها ما هو أشبه بالسكاكين أو الأزاميل أو المناشير . غير أننا لا يجب أن نستهين بقدرات الإنسان في تلك المرحلة ، فقد شحذ ذهنه مراقبة المواد المتاحة التي هيأها الله تعالى له وفعل عقله عند تداوله لها فأمكن له تحویل هیئتها وتشكيلها في حدود خبراته المكتسبة من مشاهداته فصنع بذلك أدوات متعددة الاستعمال تلبي احتياجاته المطلوبة والملكة في ذلك الحين . وقد أتاح العثور على ملايين القطع الحجرية التي تركها الإنسان متناثرة على مر العصور ، إمكانية التعرف على الثقافات المتعددة التي سادت في المناطق الجغرافية التي عاش فيها الإنسان في عصور ما قبل التاريخ وساعدت الباحثين على اقتفاء آثار وجوده وتنوع مدرکاته وثقافاته . فمن حسن الحظ أن المواد المستخدمة في صناعة تلك الأدوات كانت غالبيتها من الحصى والكوارتز والطواف والأخشاب المتحجرة التي صمدت أمام عوامل الطبيعة ومؤثراتها ، والزمن وتقادمه فلم تكسر ولم تتغير فبقيت مئات الآلاف من السنين لتشهد لنا عن سيرة ذلك الإنسان من عصور التاريخ.
ويرجح المؤرخون أن العصا المدببة ربما كانت في أغلب الظن أول أداة استخدمها الإنسان لينبش بها الأرض، أو يستعين بها على الحيوانات الصغيرة في بيئته. ولابد أن اقتطاع مثل هذه العصا تطلب أن تكون لديه أداة ذات حافة حادة ، مثل كسرة حجر صوان ، وجدها على الأرض أو مطمورة عند شواطيء الأنهار حيث يرتاد الإنسان تلك المواقع للشرب أو لتصب الكمائن للحيوانات التي ترد لإرواء عطشها .
كان حجر الصوان أقوى ما عرفه الإنسان في تلك العصور من المواد، وعادة ما تتحطم أحجار الصوان طبيعية بفعل الحرارة أو تأثير صخور أخرى تتساقط عليها عند الشطان التي ترتطم بها المياه . وقد ساعدته بعض أحجار الصوان المشطوفة بفعل عوامل البيئة ومؤثرات الطبيعة ، على اقتطاع الأغصان من الأشجار، ومن ثم استخدامه لها في حفر الأرض وفي صيد الحيوانات بتشكيله لها على هيئة رماح وحراب . كما فكر في تشكيل أدوات متعددة الأغراض من حجر الصوان ليستفيد من جلود وأوصال الحيوانات ، فصنع منها ما يشبه المقشط لسلخ الجلد ثم الاكتساء به ، كما قطع و جزا ضحيته بحجر آخر کالمدية أيضا وهكذا أدرك بعض خواص الصوان وكيف يتعامل معه بحدود احتياجاته .
والصوان عبارة عن سیلیکا متبلورة غير نقية وطبيعية تكون بقدرة الله من قوة التجاذب بين ذرات السيليكات الدقيقة المنتشرة في الكلس والطباشير وطبقات متحدة المركز تغطيها قشرة طباشيرية بيضاء . ويؤدي هذا التشكيل عند طرقه بقوة إلى انكساره وتكون شظايا يحدد شكلها نمط تراکم طبقات الصوان وبنيته المعرقة مثل بنية وتعريق الخشب ، مما يجعل خط انفلاق الحجرة بحسب اتجاه التعريق واتصاله وتتابعه . وقد أدرك الإنسان بعد أن ائتلف التعامل مع حجر الصوان ومارس قطعه أن قوة طرق الأحجار واتجاه عملية الطرق تؤثر في شکل وانحناء شظية الصوان، وهكذا أصبح الإنسان الصانع الحاذق للأدوات الصوانية ، وتمكن من تحسين اختيار الأحجار ، كما نجح في تشكيل بعض الأدوات منها ما يفي باحتياجاته المحدودة في ذلك الحين . وقد كسر الناس في تلك العصور وعلى مدى نصف مليون سنة ملايين من كتل الصوان ليصنعوا منها أدواتهم التي مازلنا نعثر عليها بأعداد كبيرة بين حين وآخر .
ففي عام 1949 عثرت بعثة عالم الآثار کارلتون كون في كهف صغير لاتزيد مساحته على بضعة أمتار مربعة في قرية بهستون غربي إيران على أكثر من ألف ومئة أداة صوانية مهذبة بالكامل مثل السكين ذو الحد الواحد والسكين ذات الحدين .
كما دلت هذه المكتشفات من کهف بهستون على أن الإنسان الصياد قد استخدم الرماح المدججة بأسنة صوانية في مقدمتها لتفعيل قدرتها على النيل من الحيوانات . حيث صقل بعض الشظايا وشذب أطرافها لتسهل اختراق الرمح لجسد الحيوان وتفتك به . وفي مرحلة لاحقة توصل الإنسان الصياد إلى إبتكار الرمح الكبير الريش الذي ساعده على الصيد في المياه . وميزة الرمح الميش عن الرمح العادي هي أن قناة الرمح قد تنكسر كما أن رأسه المدبب أو المدجج معرض للانفصال والضياع وبخاصة عند هياج الحيوان المفترس بعد إصابته ، في حين أن الرمح المريش أقل تعرض لذلك . وقد استخدم الإنسان الرمح الريش في اصطياد بعض الحيوانات البحرية كالفقمة والحيتان وبخاصة في العصر الماجداليني .
أما أدوات الصيد التي تداولها إنسان الصين فقد كانت مصنوعة من الكوارتز (البلور الصخري) و من الكوارتز ایت ومواد أخرى . وتشبه أدوات إنسان الصين الأدوات التي اكتشفت في كل من جاوه و بورما، وفي جميع هذه المواقع فقد لوحظ أن هذه الأدوات لاتتبع تقاليد متخصصة في الصناعة المتقنة ، كتلك الأساليب التي استخدمت في السكاكين ورؤوس الرماح المكتشفة في كهف بهستون بإيران .
وهكذا تمكن علماء الآثار من دراسة هذه الأدوات باهتمام بالغ حتى توصلوا كما سبق ذكره إلى معرفة الأنسجة الثقافية لتلك العصور والتي تشكل أنماط أدواتها الحجرية الصوانية خيوط النسيج الثقافي لكل مرحلة زمنية منها .
لقد منحت هذه الابتكارات الأولية للإنسان خبراته الأولى فرسم لنفسه أسلوبا للحياة في تلك الفترة وساعد كل ذلك في ماء عقله وفكره ، فكلما زاد فهما أزداد قدرة على مواجهة صعوبات الحياة وتحديات بقائه فيها . وبفضل تقدم عقله وخبراته تمكن من إبتکار أدوات ووسائل جديدة تعينه على اصطياد الحيوانات ووقاية نفسه وحمايتها من أنواعها المفترسة التي تتفوق عليه قوة وحجما ، فعزز قدراته الطبيعية بالأدوات التي صنعها والتي أعانته على البقاء في الحياة التي لم يكن عليه سهلا قهر تحدياتها التي كادت أن تنهي وجوده فيها لولا أن ميزه الله بالعقل الذي تفوق به على الوحوش الكاسرة التي نافسته على البقاء . ولاشك أن جل تفكيره في تلك المرحلة تمحور حول عدوه الوحيد الذي يهابه وهو الحيوان المفترس . لقد فكر مليا كيف يقضي عليه دون أن يجابهه عن قرب ، فبعد أن ابتكر الرمح المدبب الذي يقذف به من بعد ليصطاد أو يقتل الحيوانات المفترسة القوية ، أدرك أن الرماح محدودة المسافة وحين عثر بالمصادفة على غصن لدن يتقوس ويعود لوضعه الطبيعي عندما يصطدم به ، أوحى له ذلك بصنع سلاح خطير في عصره هو القوس والسهم الذي أتاح له أصطياد الحيوانات السريعة التي يهاب مواجهتها .
وبفضل هذه الأسلحة الجديدة ازداد إحساسه بالاستقرار وسكن الكهوف وکدس الأحجار عند مداخلها لتقيه من غدر الوحوش وكانت هذه الحجارة أولى أفكاره المعمارية التي تؤدي له وظيفة الجدار الباب .

أضف تعليق