تعرف على عصور ما قبل التاريخ وثقافاتها

في عام ۱۷۹۸ وخلال حملة نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا إلى مصر عثر الشاب شمبليون على حجر تاريخي سمي بحجر رشيد (شکل ۱) قيل أن هذا الحجر يقبض على تاريخ مصر كلها في حينه ، ومن ذلك الحين استكشفت الأجيال المتتابعة مدنيات وثقافات وحضارات كانت كل منها تعود بنا خطوة وراء خطوة نحو معرفة الإنسان لتطوره ولبدايات وجوده على سطح الأرض.

صور لحجر رشيد
صور لحجر رشيد

ففي سنة ۱۸۳۹ عثر جاك دي برت على أول أثر من حجر الصوان من مخلفات العصر الحجري ، غير أن العالم استهزأ به تسعة أعوام لظنهم أنه كان مخدوعة وأن ما وجده لايمثل أي قيمة تاريخية . بعد ذلك كشف الشاب الصيني و. س.ني العالم بالحفريات الحيوانية والنباتية في كهف عند تسوکودیان [(Zhoukoudian) كان يطلق عليه سابق شوكوتين ] (Choukoutien) حوالي (4۲ كم) في الجنوب الغربي من بكين على جمجمة قال عنها الخبراء أنها جمجمة بشرية ترجع إلى عصر يعود إلى نصف مليون سنة من الآن، وتمثل بإجماع العلماء في ذلك الحين أقدم ما عرف من الهياكل البشرية. وقد أطلق على الإنسان الذي تعود إليه هذه الجمجمة ما يعرف حاليا بإنسان بكين (Peking man) وقد وجد إلى جوارها أحجار استخدمت كأدوات أو آلات(۱) ، إلى جانب عظام حیوان . واعتبر العلماء هذه الأدوات هي من أقدم المصنوعات في التاريخ.
هذه الكشوفات تطابقت مع كشوفات أخرى كثيرة وجدت في مناطق مختلفة من العالم تم العثور عليها في كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا وفي جزيرة جاوه .
ومن خلال هذه المكتشفات أمكن للعلماء أن يصنفوا عصور ما قبل التاريخ على أساس نوع المادة الرئيسة المستخدمة في صناعة الأدوات التي يستعين بها الإنسان على تدبير شؤون حياته ، كأن تكون هذه المادة من حجر أو فلز ، أو على أساس الطريقة المستخدمة في صناعة تلك الأدوات . ولهذا فقد أطلق على أقدم العصور العصر الحجري ، ثم العصر النحاسي ويليه البرونزي وأخيرآ عصر الحديد .
غير أنه من الصعب تحديد تواریخ ثابتة لهذه العصور وفترة امتداد كل منها بدقة ، إلا أنه قد اتفق على تقسيم حقبة ما قبل التاريخ إلى عصور تبدأ من الأقدم نحو الحاضر كما سیرد توصيفها لاحقا . كذلك فقد سادت خلال هذه العصور ثقافات تم العثور على أدوات تمثلها، وقد قسم العلماء الآثار الثقافية والصناعية للأنماط البشرية إلى سبعة أقسام رئيسية تختلف باختلاف المواضع التي وجدت فيها الأدوات النموذجية التي تمثل هذه الثقافات أو الحضارات الصناعية (كما يجيز بعض المؤرخين تسميتها) . وهذه الثقافات تمتد إلى حوالي مائة ألف عام قبل الميلاد. أما الفترة ما بين أول ظهور للإنسان على كوكب الأرض وحتى الثقافة الأولى المسماة الثقافة الشيلية فقد أطلق عليها ” الثقافة السابقة للشيلية ” ومعظم الأحجار الصوانية التي عثر عليها والتي تمثل تلك الفترة لاتدل دلالة قوية على أن أهل ذلك العصر قد صاغوها بصناعتهم بل استخدموها كما صادفوها بالطبيعة بما في ذلك المدية الحجرية . وهذه الثقافات هي:

  • ثقافة الشيليان (الثقافة الشيلية) Chelleen: تاريخها 100 ألف سنة قبل الميلاد .
  • ثقافة الأشوليان (الثقافة الأشولية) Acheuleen: تاريخها 75 ألف سنة قبل الميلاد.
  • ثقافة ليفالواسيان (الثقافة الليفالواسية) Levaloisien : حوالي 50 ألف سنة قبل الميلاد.
  • ثقافة الموستريان (الثقافة الموستيرية) Mosterien :40 ألف سنة قبل الميلاد .
  • ثقافة الأورغناسیان (الثقافة الأورغناسية) Aurignacien : ۲۰ ألف سنة قبل الميلاد.
  • ثقافة السوليتريان (الثقافة السوليترية) Solutreen : ۲۰ ألف سنة قبل الميلاد.
  • ثقافة الماجداليان (الثقافة المجدالينية) Magdalenien : من 15 إلى 10 آلاف سنة قبل الميلاد

وقد اشتقت أسماء هذه الثقافات جميعها من أسماء مواضع کهوف في فرانسا حيث وجدت الأدوات النموذجية التي تمثل كل ثقافة حسب شكلها و طريقة صنعها وتنوعها.
أما العصور التي سادت فيها الثقافات فهي :
أولا – العصر الحجري القديم :

بعض أدوات العصر الحجري
بعض أدوات العصر الحجري

يرجع هذا العصر إلى أكثر من مليون وسبعمائة ألف سنة . وقد استغرق هذا العصر والعصر الذي تلاه (العصر الحجري المتوسط فترة طويلة من الزمن عاش الإنسان خلالهما مرحلة الارتحال والتنقل . وارتقي بعقله عن الحيوان حيث أظهر صفة الإنسان الصانع ، فعرف كيف يستخدم النار وكيف يسيطر على بيئته ويتقي شر الحيوانات المفترسة ، كما تعرف على الكهوف ليأوي إليها ويحتمي فيها. وقد اصطلح العلماء على تقسيم العصر الحجري القديم إلى دورين هما :
1- العصر الحجري القديم الأدنى الأسفل):
يرجع إلى نحو من (40 – 100) ألف سنة قبل الميلاد وأكثر ، وقد سادته الثقافات التالية: الثقافة السابقة للفترة الشيلية والثقافة الشيلية ، والثقافة الأشولية وأخيرة الثقافة الموستيرية . في فترة الثقافة الشيلية تمكن الإنسان من إدخال تحسين طفيف على الأدوات الصوانية والحجرية بإرهاف جانبيها وتدبيبها لتتخذ شكل اللوزة ، ثم هیأها لتريح قبضة يده عند استخدامها . بعد ذلك وخلال فترة الثقافة الأشولية لم يقتصر فكر الإنسان على التفكير في إجراء التعديلات على الأدوات التي يعثر عليها بل أنتج أنواع متعددة من الأدوات الخاصة كالمطارق والسندانات والكاشطات والصفائح ورؤوس السهام وسنان الرماح . أي أن الصناعة البشرية خلال الثقافة الأشولية توحي بنشاط بشري أكثر حماسة.
ثم جاءت الثقافة الموستيرية في هذا العصر لتختفي خلالها المدية الحجرية أو تصبح نادرة جدا وفي المقابل أصبحت الأدوات التي أنتجها الإنسان أكثر رقة وأخف وزنا وأرهف حدة وأحسن شكلا وكأن الأيدي التي صنعتها قد طال بها العهد بقواعد الصناعة.
٢- العصر الحجري القديم الأعلى :
وقد سادته ثلاث ثقافات على ثلاث فترات : الثقافة الأورغناسية التي ترجع إلى نحو ۲۰ ألف سنة قبل الميلاد، وفيها أضاف الإنسان إلى المادة الحجرية في صنع أدواته العظام الحيوانية وصنع منها مشابك وصاقلات إضافة إلى الأدوات التي أنتجها خلال الثقافات التي ورد ذكرها . بعد الثقافة الأورغناسية سادت الثقافة السوليترية وامتدت حتى عشرين ألف سنة قبل الميلاد. وقد عرف الإنسان حينها كيف يصنع المثاقب والمناشير والرماح والحراب . کما صنع الإبر الدقيقة الحادة من العظام وأدوات أخرى من قرون الوعل . بعد هذه الثقافة سادت الثقافة الماجدالينية التي تميزت بمجموعة من الأواني الرقيقة المصنوعة من العاج والقرون ، وقد وصل مداها في الصناعة إلى إنتاج المشابك والإبر التي تعتبر أدق وأرق ما صنعه إنسان ذلك العصر . ويرجع عهد الثقافة الماجدالينية إلى 15-10 ألف سنة قبل الميلاد .
ثانيا – العصر الحجري المتوسط (من ۱۰ , ۰۰۰ – ۷۰۰۰ ق.م):
| مثل هذا العصر المرحلة التي انقضت ما بين العصر الحجري القديم بأدواره التي ورد ذكرها ، وبين العصر الحجري الحديث . وقد استمرت الأدوات الحجرية المستخدمة في هذا العصر تصنع بطريقة الشطف أو التشظية . وقد وجد كثير من أدوات هذا العصر في أوربا وآسيا وأفريقيا مما يوحي بوجود حركة سكانية مابين هذه القارات في تلك الفترة ، كذلك وجدت أسلحة وآلات مصنوعة من العظام وقرون الحيوانات والأحجار غير المصقولة . كما عثر أيضا على نماذج من أدوات هذا العصر في فلسطين ترجع إلى فترة ۵۰۰۰ ق.م مما يجعل بعض المؤرخين يؤيد امتداد حقبة العصر الحجري المتوسط حتى عام ۵۰۰۰ قبل الميلاد في بعض الأماكن (الشكل ۲).
ثالثا – العصر الحجري الحديث :
في هذا العصر اتسمت حياة الإنسان بالاستقرار والتجمع في قرى ومن ثم فقد ارتبط بالأرض وعرف الزراعة والري والتعاون مع الغير لحفظ بقائه ووجوده ، كذلك أصبح الإنسان منتجا لأول مرة بعد أن كان مجرد مستهلك للطعام لا يطمع لأكثر من المحافظة على استمراره ووجوده اليومي . ولقد أدى هذا التطور في حال الناس من سكان الأقاليم الممتدة في شرق المتوسط و جنوب غرب آسيا إلى أن أصبحوا في حالة استقرار بعد أن عرفوا الزراعة، وما نجم عن ذلك من زيادة في عدد السكان وزادت الممتلكات وظهرت احتياجات جديدة للحياة وأصبح هناك وقت للتأمل والتفكير ومن ثم الابتكار . وهكذا حددت هذه المرحلة ملامح المراحل التالية من التطور الذي انطلق فعلا من هذا العصر .
رابعا – العصر الحجري النحاسي:
تنتمي إلى هذا العصر الحضارات التي قامت في الشرق الأدني في بلاد ما بين النهرین – دجلة والفرات- ومصر ، ويرجع تاريخها إلى مابين 4000-۳۰۰۰ ق.م وإن كان بعض المؤرخين يرجعون بداية ظهور النحاس إلى نحو 6600-۱۳۰۰ ق.م في منطقة ساتال هويوك في بلاد الأناضول، كما ظهر في سوريا والعراق وإيران في عام ۵۰۰۰ ق.م . وأصبحت معرفة سباكة النحاس مكتسبة في عام 4000 ق.م. ويبدو أن ظهور النحاس قد تزامن تقریبا مع معرفة الخزف كما تشير بعض الدلائل . وتعود تسمية هذا العصر بالحجري النحاسي إلى استعمال النحاس ، إلى جانب الحجر في تلك الفترة والذي يمثل المادة الرئيسية في صناعة معظم الأدوات التي يحتاجها الإنسان بالرغم من تعرفه على النحاس . وقد كشفت الحفريات على أن النحاس ظهر في أوربا متأخرة عنه في الشرق الأدنى حيث لم يعثر له على وجود قبل عام ۲۰۰۰ ق.م.
خامسا- العصر الحجري البرونزي :
اهتدى الإنسان إلى كشف البرونز (خليط النحاس المسبوك مع نسبة من القصدير) في الأغلب في نفس البلاد التي كشف بها النحاس وذلك في عام ۳۰۰۰ ق.م، غير أن انتشار استعماله لم يبدأ إلا بعد ذلك بعدة قرون . وعبارة “عصر البرونز ليس لها معنی زمني محدد” ، وذلك لأن بعض الحضارات الإنسانية قد تجاوزت عصر الحجر إلى عصر الحديد مباشرة وربما دون العبور بعصر البرونز .
سادس العصر الحجري الحديدي :
لم يتم العثور على دلائل عن تاريخ تعرف الإنسان على الحديد حتى وقت متأخر حين عثر في مصر على بعض أجزاء عقد من الحديد المؤكسد ووجد أيضا في هرم خوفو أدوات من الحديد اللدن . كما التقطت في بلاد ما بين النهرين (في نفس الفترة التي وجد فيها الحديد في مصر حوالي عام ۲۷۰۰ ق.م بعض القطع الحديدية من تل أسمر . وقد اختلف العلماء والمؤرخون حول ما إذا كان مصدر الحديد كمعدن من الأرض أو من نیازك في الفضاء غير أن استعماله أصبح رائجة اعتبارا من عام ۱۲۰۰ ق.م وإن بقيت كمياته ضئيلة نسبيا . ويرجح أن استعمالات الحديد الأولية كانت لصناعة بعض الأسلحة الخاصة في حين أن النحاس والبرونز كانا يستخدمان في صناعة الأواني والأدوات .
وخلاصة القول أن الفلزات ظهرت منذ فجر التاريخ بداية في حضارات سوريا والعراق أو مايسمى حضارات مابين النهرين ، حيث سبقوا بذلك الحضارة المصرية ، خاصة في ما يتعلق بإنتاج هذه المواد .
 

أضف تعليق