وجهك أحلى من الصورة

د. نجمة إدريس: وجهك أحلى من الصورة
انتهى عصر أجهزة الفيديو وأشرطة الفيديو بهياكلها الضخمة، الأمر الذي يجعل كلاً منا يتوجس خيفة على مصير ما تضمه هذه الأشرطة من حياة وذكريات. وفي محاولة مني للحفاظ على تاريخ حياة الأبناء ومراحل طفولتهم ويفاعتهم، قمت بتفريغ أشرطة الفيديو على أقراص مدمجة ليتسنى لهم مشاهدة فصول حياتهم من خلال الـ CD player.
بعد انتهاء هذه المهمة أخذتني التأملات حول جدوى ما فعلت، وسألت نفسي: ‘الآن وقد وثّقتُ لهم من خلال هذه الأدوات الإلكترونية كل لمحة وكل إيماءة وكلمة وحركة، ماذا أبقيتُ إذن لاحتمالات التخيّل لديهم؟ وماذا تركت لفسحة التذكر والحنين واللعب الحر على أوتار الماضي؟ أليس في ذلك تعدِّ على ملكة فطرية وأصيلة لدى الإنسان، وهي ملكة الخيال والتطلّع التي تمكّنه من إعادة تصنيع حياته ودبلجتها وضخّها بما يشاء ويشتهي من مكنونات عقله الواعي والباطن، يحذف ما يشاء ويدعّم ما يشاء من شذرات حياته النفسية والروحية، تماماً كما يفعل الفنان حين ينجز لوحة أثيرة أو ينحت تمثالاً بديعاً؟’.
أعتقد بأنني أنتمي إلى جيل المحظوظين الذين لم توثق أشرطة الفيديو طفولتهم ويفاعتهم، فظللنا ننكفئ على صور خصبة من طفولتنا الهاربة، نستعذب غموضها وسريتها المكنونة، ونستلذ اندفاعها الحر من قيد التوثيق والتسجيل. وهكذا كان الأمر عبر تاريخ البشرية وقبل اختراع الكاميرا والسينما والفيديو وما تلا هذه المخترعات وتناسل منها من متشابهات وضعتنا وجهاً لوجه مع عصر أصبح يُسمى عصر الصورة بجدارة. فالصور حولنا أنّى التفتنا، في الإعلانات الثابتة والمتحركة وفي الصحف والمجلات والسينما، وفي الأجهزة الإلكترونية من تلفزيون وألعاب وكمبيوتر وهواتف نقالة وكاميرات رقمية… إلخ. إنه عالم من الصور المنثالة المنهمرة التي لا تدع مجالاً للمخيلة كي تخترع تصوراتها الخاصة حول الشخوص والأحداث والوقائع! فالعالم بكل واقعيته الفجة بين يديك!
يقول أحد الباحثين في مقام التعليق على موضوع عصر الصورة: ‘لقد حلّت ثقافة الصورة محل ثقافة الكلمة’. ولعل هذه المقولة الجدلية، بما فيها من احتمالات الصدق في وصف ثقافة العصر، تذكرني أيضاً بما كان يفعله معظم الطلبة الجامعيين حين نكلفهم قراءةَ أحد النصوص الروائية تمهيداً لمناقشته ونقده خلال الدرس، فنُفاجَأ بأنهم عوضاً عن القراءة لجأوا إلى مشاهدة الفيلم السينمائي الذي يدور حول ذات الرواية! الأمر الذي يعيدني إلى إطلاق هذا السؤال الاستنكاري: هل كان الفيلم بديلاً حقيقياً عن الرواية المكتوبة؟! وهل أغنت اللقطات المرئية على قماشة الشاشة البيضاء عن ذلك العالم الخصب من حديث النفس وسياحة العقل والغوص في مكنونات الفكر والشعور؟!
لعل قليلاً من التأمل في حقيقة الرسالة التي تبثها الصورة، وترويجها – منذ انطلاقتها الأولى عام 1839م وهو عام اختراع الكاميرا الفوتوغرافية – لمقولة انها تنقل الواقع والحقيقة، نقول لعل هذا المفهوم بات الآن من قبيل الخرافة؛ فالوقائع والأحداث والشخوص المصورة باتت الآن تفتقد المصداقية وتميل إلى كونها صوراً زائفة أو شبه حقيقية. فتقنية الفوتوشوب غدت تتدخل في إعادة نحت الوجوه وصنع نسخ محسنة تشبه الأصل وتتماسّ معه عن بعد. والشخوص في الألعاب الإلكترونية يصولون ويجولون ويجترحون المعجزات من حرب وضرب وتدمير وقتل، وهم ليسوا سوى رسوم كمبيوترية متخيلة، ونقل مجريات الأحداث عبر الكاميرات بات يخضع للانتقاء والتحكم وتوجيه العدسات نحو زوايا خاصة مرغوبة، وحجبها عن زوايا أخرى لا تخدم الهدف المراد لدى الجهاز الإعلامي، فبتنا نرى نصف الحقيقة أو ربعها ليس إلا.
إنه عالم الصورة أكثر منه صورة العالم، أو بالأحرى إنها صور حول عوالم مخلّقة أكثر منها صوراً حول عوالم واقعية أو حقيقية. ورغم خيالية وزيف هذه الصور المصنّعة إلكترونياً، يظل خيال الإنسان الفطري أكثر إبداعاً ودفئاً ، تماماً كما يظل العقل الإنساني أكثر ذكاءً من جهاز الكمبيوتر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

منتج شعاره الدعائي انت مو انت وانت جوعان

منتج شعاره الدعائي انت مو انت وانت جوعان قد قامت احدى القنوات او البرامج بطرح سؤال وقد قام…