هل يوجد بالمريخ مخلوقات عاقلة ؟

بعد الزهرة تأتي الأرض . وفي الجانب الآخر منا ، وعلى بعد 141 مليون ميل من الشمس ، يسير المريخ في مداره . والمريخ هو أكثر السيارات إثارة الاهتمامنا وفضولنا . وأهم سؤال فلكي يسأله غير المختصين بعلم الفلك هو : هل يوجد بالمريخ مخلوقات عاقلة ؟ وإذا كان الجواب بالنفي فهل من الممكن للإنسان أن يعيش هناك ؟
بالطبع ظل الناس يتساءلون عن مكان وجود حياة على السيارات كلها . ولكن منذ ۷۰ سنة أخذت أكبر آمالهم تتركز في المريخ . فأولا : نعلم أن المريخ يمكن أن يكون له غلاف جوي لأن حجمه يبلغ نصف حجم الأرض ، وثانيا: | نعلم أن الحرارة على سطح المريخ لا ترتفع إلى درجة غير محتملة ، وكذلك لا تنخفض إلى برودة غير محتملة . ثم إن به ماء على هيئة ثلج وصقيع .
ويرجع الاهتمام بالمريخ بوجه خاص إلى سنة ۱۸۷۷ . فمن المعلوم أن المريخ يقترب من الأرض كل 15 أو ۱۷ سنة . ويصبح بعده عنها في حدود ۳۰ مليون ميل . وفي تلك السنة بلغ قربه من الأرض منهاه . وحفز هذا الاقتراب الشديد الفلكي الإيطالى سكيابارلي إلى مسح سطح المريخ مسحا دقیقا بمنظاره الفلكي . وأدرك شيئا عجيبة لم يلاحظه أحد من قبل .
وكان الفلكيون قد استمروا يدرسون المريخ بالمناظير الفلكية أكثر من ۲۰۰ سنة . ورأوا على سطحه علامات داكنة ثابتة في أمكنتها . ويلاحظتهم لهذه العلامات وهي تتحرك تبعا لدوران المريخ حول محوره ، وجدوا أن يوم المريخ يزيد على يومنا بمقدار سبع وثلاثين دقيقة . ورأوا أيضا بقعة بيضاء كبيرة تنمو عند أحد القطبين ، ثم عند القطب الآخر . وهداهم تفكيرهم إلى أن هاتين البقعتين هما قلنسوتا و طاقيتا ، ثلج كللوجودتين عند قطي الأرض ، وكانتا تذوبان بتغير الفصول على المريخ . ورجحوا أن العلامات الداكنة هي بحار ، وأن الأجزاء البرتقالية أو الوردية اللون هي أرض يابسة .
واستكشف سکیابارلی کشفة جديدة — وهو يرصد المريخ خلال منظاره الفلكي يوما بعد يوم خلال هواء ميلانو الحار – فقد لاحظ شبكة من الخطوط الداكنة تخترق « الأرض اليابسة » وتصل «البحار» بعضها ببعض . ورسم صورة لما رآه وأطلق على الخطوط الداكنة الاسم الإيطالى Can : li ( وتنطق کانالی ) ومعنى هذه الكلمة بالإيطالية إما ممرات مائية أو قنوات .
ولو أن هذه الكلمة ترجمت إلى اللغات الأخرى بالمعنى الأول ، أي أنها ممرات مائية طبيعية ( مثل بحر المانش) + أثار الأمر اهتمام الناس . أما أن يطلق على هذه الخطوط اسم قنوات فإنه يجعل الأمر يختلف كل الاختلاف . لأن القنوات لا تكونها الطبيعة إنما تحفرها أيدي مخلوقات عاقلة كالإنسان . فالقول بأن المريخ به قنوات ، معناه أنه يوجد على هذا الكوكب مخلوقات عاقلة قامت بحفر هذه القنوات.
وفي الحال قامت ضجة كبرى ، وتساءل الناس : « قنوات ! إذن لا بد أنه يوجد أناس على المريخ ! ولا بد أن يكون لهم نظام للرى على أوسع نطاق ولا شك أنهم يفوقوننا كثيرة في الذكاء . وما الغرابة في ذلك ؟ ليس في الأمر ما يدعونا للدهشة . فإن المريخ أصغر وأبعد عن الشمس منا . فلا بد أن يكون قد برد قبل الأرض بزمن طويل . وإذن فمن المحتمل جدا أن تكون الحياة ازدهرت على المريخ مدة أطول »
ونتج من شدة امام الناس وكثرة كلامهم عن المريخ أن أقام الفلكي الأمريكي المشهور لویل مرصده بأريزونا بالولايات المتحدة لدراسة السيارات بصفة عامة والمريخ بصفة خاصة. وتوقع بعض الناس أننا سنحصل من هذا المرصد على مزيد من الأدلة على وجود مخلوقات عاقلة بالمريخ. واقترح البعض محاولة الاتصال بأهل المريخ . في حين تساءل آخرون بأنه إذا كان أهل المريخ متقدمين عنا كثيرة فلماذا لم يتصلوا بنا ؟ ربما حاولوا فعلا الاتصال بنا ولكننا لم تفهم الإشارات التي أرسلوها . أو ربما كانوا من التقدم والرق بحيث إنهم رأوا | أنا أقل من أن يتصلوا بنا .
ولكن ما أشد خيبة الأمل التي كانت في انتظاره ! إذ لم يلبث الفلكيون أن وجدوا أن ما كانوا يظنونه بحارة كانت القنوات تخترقها أبنها. فكان من الواضح أن «البحار ، لا يمكن أن تكون بحارة . إذ كيف تخترق القنوات الماء ؟ إذن فالمساحات الداكنة لا بد أن تكون أراضي السيار الخصبة وأن القنوات هي خطوط طويلة أو وديان من النباتات النامية . وقال الذين قاموا بمشاهدة المريخ إن أي واحد يراقب تغير الألوان سوف يدرك ذلك . ففي «ربيع»| و «صيف » المريخ تبدو المساحات الخصبة خضراء. وفي «شتاء » المريخ يتحول اللون الأخضر إلى لون أسمر ، وهو لون النبات عندما يذبل . أضف إلى ذلك أن طاقية الثلج عند القطب يمل اتساعها باقتراب الصيف . أنيس من الواضح إذن – كما قال مشاهدو المريخ – أن الماء يجرى من الجليد في القريب من القطب الشمالي أو التقطب الجنوبي ويروى الأراضي المزروعة ؟
فكانت ضربة شديدة أن يعلم الناس أن القنوات لم تكن قنوات ، وأنها لم تكن خطوطة مستقيمة ، وأنها ليست منصلة بعضها ببعض على شكل نظام شبکی . وكان من المؤلم نبذ مثل هذه البراهين المثيرة عن وجود محاوقات عاقلة ، بالمريخ . ورفض البعض أن يصدقوا هذه الأخبار السيئة . ولا يزال البعض يرفض ذلك حتى الآن .
ومع ذلك فإن كل الدلائل تدعونا إلى الاعتقاد بأنه لا يمكن أن يعيش على المريخ أحياء من نوعنا . فإن الأحوال الجوية على سطح المريخ تشبه من وجوه عديدة الأحوال الجوية على ارتفاع ۹۲٫۰۰۰ قدم من سطح الأرض . وهذا الارتفاع يعادل ضعني ارتفاع جبل إفرست ( أعلى جبل في الدنيا ) وهذا معناه أنه لا يوجد هواء كاف للتنفس . بل حتى إذا ارتدى الإنسان خوذة محكمة مزودة بقدر كاف من الأكسجين فإنه لا يستطيع أن يعيش . لأن الضغط الجوي يكون أقل من ضغط بخار الماء وثاني أكسيد الكربون الموجودين بالرئتين . وارتداء ملابس مكيفة الضغط فيه كثير من المضايقة . والأرجح أنه إذا ما ذهب إنسان إلى المريخ في المائة السنة القادمة فإنه إما أن يظل داخل سفينته الفضائية . وإما أن يتجول في نوع صغير من الدبابات المكيفة الهواء .
وإذا كنا نحن لا نستطيع أن نعيش على المريخ فهذا دليل على أنه لا يوجد به الآن . ولا في أي وقت مضى ، کائنات مثل الجنس البشري . وقد كتبت سخافات كثيرة عن الحياة بالمريخ . ولكن من المؤكد أنه لا يمكن حال أن تعيش مخلوقات مماثلة للإنسان أو لأي حيوان موجود على ظهر الأرض في هذا الجو الواطئ الضغط الشديد البرودة . فعند الحرارة إلى ما فوق درجة التجمد . وهي لا ترتفع قط عن 10 أو 15 درجة مئوية . يضاف إلى ذلك أنه من المحتمل أنه لا يوجد ماء على المريخ . إذ من الراجح أن الثلج الموجود به لا يسيل إلى ماء ، بل يتحول مباشرة إلى آثار من بخار الماء ينتشر بكميات ضئيلة جدا في جو السيار .
ولكن مجرد احتمال وجود حياة من أي نوع كان على المريخ أمر مثير للغاية . إذ ما الذي يتضمنه ذلك من معنى ؟ إنه يدل على أن الحياة ليست مجرد أمر عارض ، وأنها لا تنشأ بمحض المصادفة ، وأنها ليست شذوذا في الطبيعة . ويدل على أن الحياة تظهر كلما كانت الظروف الملائمة للحياة موفورة ، ويمدنا بالأمل في أن الحياة قد تكون مزدهرة في نواح أخرى من الكون وربما تكون في مكان ما مخلوقات عاقلة تشبهنا كثيرة .
وتوجد أشياء كثيرة عن المريخ ، بجانب موضوع وجود حياة عليه ، يهتم بها الفلكيون بالغ الأهمام . فهناك مثلا القمران الصغيران العجيبان اللذان يتسابقان حوله . وهما لا يشبهان قمرنا في كثير أو قليل . فإنهما من ضآلة الحجم بحيث يكون من الأقرب للصواب أن يعتبرا جبلين كبيرين يهرولان في مداريهما في الفضاء . فإن فوبوس – وهو القمر الداخل – لا يبلغ قطره إلا نحو عشرة أميال . وأما ديموس – وهو القمر الخارجي – فيكاد قطره لا يزيد عن خمسة أميال . وهذا معناه أنهما أصغر من القمر مئات المرات في الحجم ، وأخف منه ملاين المرات في الوزن .
ولا كان فوبوس لا يبعد عن المريخ إلا بأقل من 4000 میل فلا بد أنه يتحرك في مداره بسرعة هائلة ، ولذلك فإنه يتم ثلاث دورات كاملة حول المريخ في أربع وعشرين ساعة . أما ديموس فإن بعده يبلغ ۹٫۰۰۰ میل ويستغرق ثلاثين ساعة ليتم دورة كاملة . والنظر إلى القمرين من سطح المريخ لا بد أن يكون له تأثير غریب غير مألوف . حقا إن القمرين يتحركان حول المريخ في اتجاه واحد ، وهو نفس الاتجاه الذي يدور فيه المريخ حول الشمس . ولكن المتبع للقمرين من سطح المريخ بری فوبوس بشرق من الغرب ويغرب في الشرق بعد أربع ساعات ونصف ساعة . أما ديموس فهو يشرق من الشرق ويظل في سماء المريخ أكثر من يومين كاملين . وقبل أن يغرب يكون قد مر ، جميع أوجهه من المحاق إلى البدر الكامل مرتين .
 

أضف تعليق