نشأة الزراعة وتأثيرها على حياة الإنسان

نشأة الزراعة وتأثيرها على حياة الإنسان

تشير بعض الدراسات العلمية الأخيرة إلى أن تاريخ الوجود الأحيائي على سطح الأرض يرجع إلى الفطور (جمع فطر ) (Mushroom) قبل حوالي ۱۳۰۰ مليون سنة (۱٫۳ بليون سنة) (شکل 5) . وبعد ذلك بفترة طويلة امتدت الطحالب من البحار إلى اليابسة ثم تلتها الأشنات وتوالی أكتساء سطح الأرض بالنباتات قبل ۷۰۰ مليون سنة. وبصورة تدريجية تنامي الغطاء الخضري من ذلك التاريخ دون انقطاع .
وحين خلق الله الإنسان وأوجده على سطح الأرض ، هيأ له كل ما يقيم حياته ويمد بقاءه عليها ، فاقتات مما أتاحه الله على سطحها ومكنه من البقاء والتكاثر .
كان الإنسان يتغذى في النهار على النباتات والحبوب والثمار وعلى لحوم الحيوانات التي يصطادها، ويرقد في سكون الليل في الزوايا أو الكهوف . واستمر على ذلك آلاف السنين يتعرف على محيطه وبيئته محاولا من وقت لأخر التلاؤم مع مكوناتها ، متجرئة بين حين وآخر على تكييفها لتلبية متطلباته الإنسانية من كساء وسكن . فبعد أن هجر الإنسان الكهف وانتقل إلى بناء عشه الذي يتأوي فيه ، مارس أولى أوجه نشاطه الإنساني في زراعة الأرض وإنتاج الغذاء وليخطو أولى خطواته نحو بوابة المدنية .
فعلى امتداد التاريخ الإنساني – منذ فجره وحتى عصرنا الحالي – يبرز منعطفان أساسيان في حياة الإنسان على الأرض : المنعطف الأول حين انتقل الإنسان من العصر الحجري القديم إلى العصر الحجري الجديد بفضل تعرفه على الزراعة واکتشافه لها ، وقد تزامن ذلك مع إقامته لمأواه بنفسه بعد أن انتقل من الكهف إلى المسكن . وكان هذا هو المنعطف الأول في تاريخ الإنسان وبداية الحضارة والمدنية بمفهومها الحديث . أما المنعطف الثاني كما سيتبين لاحقا ، فهو انتقاله من الزراعة إلى الصناعة وربما كانت أولى بادراتها المبكرة اكتشافه للنار كما سبق ذكره .
يرجع المؤرخون تاریخ اكتشاف الإنسان للزراعة إلى نحو ۷۰۰۰ عام قبل الميلاد . وبالرغم من صعوبة الإثبات اليقيني عن مواطن الزراعة الأولى التي نشأت فيها ، إلا أنه يمكن ترجیح الاعتقاد بأن مراكزها الأولى كانت في جنوب غربي آسيا. ويتنازع هذا الموضوع أكثر من نظرية تفتقد إلى الدليل القاطع لتأكيدها:
– فهناك نظرية تميل إلى اعتبار أن الزراعة نشأت في منطقة معينة (يرجح أن تكون في جنوب غرب آسيا) ثم انتشرت منها إلى بقية أجزاء العالم الأخرى من خلال الانتشار الحضاري عبر طريق الهجرة والغزو التقليدي .
– النظرية الثانية تزعم بأن العقل البشري قد زوده الله – سبحانه – بإمكانات عظيمة الاستبقاء نوعه على الأرض ، وحينما تتوفر البيئة الملائمة ، تنمو الحضارة .
فمن الجائز أن تكون الزراعة قد نشأت في أماكن مختلفه وفي أزمنة مختلفة أو زمن واحد.
إلا أنه لاتزال هاتان النظريتان في جدل طالما استعصى العثور على الدليل الحاسم الترجيح أو دحض أي منهما حتى الآن. وقد تتبع العلماء الآثار الخاصة بنشأة الزراعة في مواطن الحضارات القديمة وذلك من خلال اقتفاء أصول الأنواع البرية للنباتات والحيوانات .
إلا أن تحديد المهد الرئيسي للزراعة لايزال بعيدا عن اتفاق أو إجماع العلماء ، بالرغم من أن غالبيتهم ترجح أن يكون هذا المهد في حوضي دجلة والفرات وفي مناطق الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ابتداء من فلسطين وغرب الأردن داخل سوريا والعراق وجنوب إيران حتی زاجورس .
ويعزز هذا الاعتقاد المكتشفات الأثرية عن الحضارة الناطوفية التي كانت سائدة في فلسطين حول أريحا ، وكذلك في منطقة دجلة على سفح تلال الأكراد حول قلعة جرمو. ويعتقد فريق آخر من العلماء أن البحث عن الوطن الأول للزراعة يجب أن يتجه نحو حوض قزوین ومرتفعات الأناضول لاحتمال كونهما المراكز الأولى للزراعة المستقرة . ويدعم هذا الاعتقاد العثور على موقعين على قدر كبير من الأهمية في تتبع المنشأ الأول للزراعة هما : كهف البلت (Belt Cave)، وموقع هوتو (Hotu) اللذان يقعان على الشواطيء الجنوبية لبحر قزوين .
ويعتقد بعض المؤرخين العلميين أنه في الوقت الذي ظهرت فيه الزراعة في منطقة الهلال الخصيب ، فقد تزامن ذلك مع ظهورها في المنطقة الواقعة مابين المكسيك وجواتيمالا والإكوادور ، وبناء على ذلك فإن استقرار الإنسان في هاتين المنطقتين يعزى فضله للزراعة . وعموما فإن المنطقة المحصورة بین کهف البلت وقرية جرمو) وتل أريحا هي المنطقة التي يغلب الاعتقاد أن تكون قد نشأت بها الزراعة لأول مرة على الأرض ومنها انتقلت إلى المناطق الأخرى 
أما عن كيفية اهتداء إنسان ما قبل التاريخ إلى فكرة الزراعة وإمكانية استنبات الأرض المختلف المحاصيل التي يحتاجها ، فقد وضع المؤرخون عدة مشاهد استقرائية دون أن يملكوا الدليل الكافي على ترجيح أي منها. فربما كان منشأ الزراعة – كما يظن البعض – قربانة من الحبوب التي طمرت في التراب مع جثمان ميت فاتفق أن انبتت هذه الحبوب نباتا حسنة ، وربما فکر بعض الأذكياء بغرس الحبوب قبل عدة أشهر من القطاف فكانت بداية الزراعة ، كما تشير بعض المستندات من حقبة المدن البحيراتية .
كما وجدت أكوام من المؤن المحفوظة والمطمورة عقب بعض الأحداث الطبيعية . ومن المرجح أيضا أن بعض النساء جمعن ضمن الأشياء الصالحة للطعام بذور بعض الحشائش البرية التي أنتجت الشعير والقمح . وقد كانت النباتات التي تمد الإنسان بطعامه متباعدة في أغلب الأحوال تتخللها نباتات كثيرة بعضها تعوزه مقومات النماء ، ثم بعد حين أخذ الإنسان يجتث ما لا يفيده من نبات وكثيرا ما نبش التربة وهو يبحث عن البذور التي يتغذی بها ، وصادف أن لاحظ أن النبات يحسن نموه إذا قلبت التربة حوله ، فاخذ يفعل ذلك بعصا استعان بها لهذا الغرض، كما لاحظ أن بذور النبات تسقط على الأرض في فصول معينة فتنتشر نباتات جديدة ففطن إلى ادخار البذور ومن ثم زراعتها كلما احتاج إلى ذلك .
ويعزي بعض المؤرخين إلى المرأة الفضل الأكبر في اكتشاف الزراعة ونموها نتيجة المسؤوليتها ودورها القديم في جمع الطعام والخضروات . كما بقيت المرأة لأمد طويل هي الفالحة للأرض في الوقت الذي كرس الرجال عملهم على استئناس الحيوانات أثناء وبعد ممارساتهم لصيدها . إلا أن هذا الفصل بين كل من الجنسين لا يؤيده دلیل حاسم حتى الآن . ومن المؤكد أن الإنسان قد اختار سفوح التلال غزيرة المياه حين بدأ الزراعة ، مبتعدة عن قاع الوديان أو الأماكن المنخفضة .
وأول النباتات التي زرعها الإنسان في جنوب غرب آسيا وانتشرت فيما بعد إلى أفريقيا وأوربا كان القمح والشعير) ، ثم تلاها البازلاء والعدس والكتان . أما الذرة فقد زرعت متأخرة عن هذه المحاصيل في حين أنها كانت المحصول الأول في القارة الأمريكية ودعامة زراعتها الأولى يليها الفول والقرع . وفي جنوب الصين عثر على بقايا من الأرز تعود للعصر الحجري الحديث .
وترجع زيادة تنوع المحاصيل في جنوب غرب آسيا عنها في وسط أمريكا إلى اختلاف الخصائص الجغرافية ووسائل الاتصال وتباين المناخ بين الجبال والوديان والصحارى وقرب البحار . ذلك لأن المحاصيل الرئيسة التي زرعت في جنوب غرب آسيا تنمو بصورة وافرة في الأقاليم الوسطى من الأرض ، حيث تتمايز الفصول الأربعة بوضوح وينضج كل محصول منها في أشهر معدودات .
ومن الطبيعي أن هذه النباتات الرئيسية في هذا الجزء من العالم كانت متماثلة حجمة وشک وصفات إضافة إلى تشابه طرق تناولها. ففي حين زود القمح والشعير وسائر الحبوب الأخرى الإنسان بالنشاء ، فقد زودته البازلاء والعدس والفول والحمص بالبروتين النباتي الذي يقيم أوده .
لابد أن قرونا طويلة مضت دون أن يحاول الإنسان اختبار الأنواع المختلفة وقبل أن يختار المحاصيل الرئيسية التي اعتمد عليها خلال تاريخه الطويل فيما بعد، وأدخل عليها الصفات المحسنة حتى استقرت إلى الأنواع الرئيسية المعروفة .
وتجدر الإشارة إلى عدم وجود أدلة ثابتة عن المرحلة الانتقالية التجريبية بين بدايات اكتشاف الزراعة وحتى تميز الأنواع واستقرارها ، إلا أن الأدلة التي عثر عليها تؤكد وجود سنابل القمح في جرمو وأريحا منذ أكثر من (5000 سنة قبل الميلاد)، كما عثر على أقدم بقايا من قوالح الذرة في وادي تيسهوکان ووادي أوكساكا في جنوب المكسيك ، وعثر على الأرز في شمال الصين وجنوبها.
ومن الحقائق المؤكدة الأخرى هو اقتران وجود القمح مع الشعير ، واعتبار القمح دائما أهم المحاصيل التي عرفها الإنسان .
ويرجح المؤرخون أن القمح قد سلك من موطنه الأصلي في جنوب غرب آسيا خلال انتشاره طريقين يتفرعان عند الطرف الشرقي لساحل المتوسط ، اتجه أحدهما نحو جنوب مصر في حين اتجه الأخر نحو أوربا حيث زرعه بداية سكان حوض الدانوب والبحيرات السويسرية إلى أن وصل أخيرة إلى سكان اسكندنافية .
أما الذرة فقد أكدت التحاليل إلى أن ما عثر عليه من أكوازها يرجع إلى أكثر من 6000 عام من وقتنا الراهن وما زال البحث جارية لمعرفة المزيد عن وطنها الأصلي في أمريكا ، وهل هو في جنوب أو وسط أوجنوب غرب أمريكا الشمالية .
وبالرغم من الأهمية الخاصة للذرة في غذاء الأمريكيين إلا أن الفول والبازلاء أيضا لعبا دورة كبيرة في تغذية الإنسان القديم هناك ، مما جعل الفول يشكل جزءا رئيسا من وجبة الإنسان هناك .
وحين هبط الإنسان من سفوح التلال ومرتفعاتها إلى الوديان وأحواض الأنهار واستزرعها ، نمت النباتات بوفرة وغزارة نتيجة لزيادة خصوبة الأرض في تلك المواقع . فأنتج الكتان حبوبة ممتلئة بالزيت إضافة إلى أليافه ، فحصل الإنسان على زيت الكتان . وكذلك الحال مع القنب حيث وجد له استخداما ثانوية حين طالتة النيران واستنشق الإنسان دخانه و تعرف على أثره المسكن أو المخدر .
وتدريجية تمكن الإنسان مع الزمن من التعرف على الخصائص المختلفة للنباتات فاختار ما يلبي احتياجاته منها ثم تعهد رعايتها وانتقاء ما يفيده منها، مما ساعد على انقراض الأنواع البرية واعتماد الأصول التي تم انتقاؤها وانتشارها وبقاؤها .
أما الأشجار فلم يتم تتبع تاريخها بصورة موثقة كما هو بالنسبة لبعض المحاصيل التي تم استعراضها . فقد اعتاد الإنسان في باديء الأمر التقاط ثمار أنواعها البرية التي استساغ طعمها . إلا أنه من المؤكد أن شجرتي الزيتون والتين قد كانتا معروفتين منذ وقت طويل في شرق البحر المتوسط حيث عرف الإنسان كيف يعتصر ثمار الزيتون ويتناول من زيته . وتدل الآثار على أن الزيت كان يصل إلى المملكة المصرية القديمة من فلسطين وسوريا ، في حين لم يكن له ذات الأهمية في العراق أو في مناطق السند التي عرفت السمسم كمصدر للزيت في تلك الحقبة .
كما عرف سكان مناطق غرب آسيا عددا من أشجار الثمار والأعناب ومن أمثلة ذلك التفاح والكمثرى .. فما زالت أشجار التفاح والكمثری تنمو بريا في غابات السفوح الغربية لجبال زاغروس في إيران .
وفي مناطق ترکستان عرفت أشجار من نوع آخر مثل اللوز والخوخ والمشمش والأجاص حيث انتشرت منها إلى الصين قبل أن يتعرف عليها الأوربيون.
وتشير الأدلة التي تم التوصل إليها إلى أن الموطن الأصلي للعنب هو في جيورجيا وأرمينيا . أما أشجار النخيل فأول معرفة الإنسان بها كانت في مناطق الأهوار المتاخمة للخليج العربي .
ومع انتشار الزراعة وتوسع مساحتها تدريجيا في المنطقة الواحدة ، فقد اضطر الإنسان أحيانا كثيرة إلى قطع أشجار الغابات التي تعترض اتساع مساحات مزروعاته واحتفظ بقسم من هذه الأشجار التي أدرك أهميتها إليه مثل الزيتون والعنب والجوز والتين . كما لجأ الإنسان في أحيان أخرى إلى قطع كافة أشجار الغابة ، للاستفادة من أخشابها لإقامة المسكن أو السفن ، كما قام بحرق بعض هذه الأشجار أيضا بغرض الاحتطاب للتدفئة والطهو، أو لحرق الفخار أو لغرض صهر الفلزات فيما بعد.
وهكذا تقلصت الغابات تدريجيا وكان أثر قطع الأشجار عظيمة ، حيث أصبحت بعض البلاد صحاري ، كما تدهورت تربة الأقاليم المتميزة بالتلال وجرفتها المياه وغرقت البلاد الغزيرة الأمطار لانعدام تصريف المياه فيها . .
كانت بلاد مابين النهرين ومصر أول من عرف نظم الري في الحياض ثم تعرفت عليه مناطق دلتا نهر الجانج على أثر وصول زراعة الأرز إليها. ومن دلتا نهر الجانج وصلت معرفة نظم الري إلى جنوب شرق آسيا والفلبين .
لقد أدى اكتشاف الزراعة وانتشارها إلى تغيرات جوهرية في نمط وطرق حياة الإنسان والحياة الاجتماعية عموما .
فقد نتج عن ممارسة الزراعة مظاهر الاستقرار وبناء المساكن وما تستلزمه متطلباتها ، وما انبثق عن ذلك من ضرورات لوضع النظم وسن القوانين التي تساعد على تدبير شؤون المجتمع ، وبعض العلوم التي تلبي احتياجاته وتتطور به .
فبفضل الزراعة التي انتشرت في بلاد مابين النهرين ووادي النيل فاقت المنتجات الزراعية حاجة الإنسان وأدت الوفرة منها إلى تهيئة الظروف لنمو طرق فنية أكثر تعقيدة مهدت لزيادة الحاجة للتخصص ، هذا وبالإضافة إلى أن الفائض من الأطعمة أتاح تزويد المجتمع بالطعام وإعفاء جزء منه من الاشتغال بالزراعة لكي يتوفر لديهم الوقت للتفكير بما يتعدی سد احتياجات معیشته وحياته .
لذلك لم يكن نشوء أولى الحضارات الإنسانية القديمة وازدهارها حول أحواض الأنهار ومجاريها صدفة بحتة، بل كان ذلك هو التطور الحتمي لسياق أحداث التاريخ الإنساني القديم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أكذوبة تحضير الأرواح

مع انتشار الماسونية تلك الدعوة البغيضة التي هدفها الأول التبشير بدين جديد إليه المسيخ الدج…