كيف اكتشف الانسان الاول النار

يقول صاحب موسوعة قصة الحضارة وول ديورانت عن أهمية اكتشاف النار بالنسبة اللحضارة الإنسانية : ” لئن بدأت إنسانية الإنسان بالكلام ، وبدأت المدنية بالزراعة ، فقد بدأت الصناعة بالنار” . ولاجدال أن النار أقدم من الإنسان ولا نعرف حدودة لتاريخ وجودها على الأرض ولكنها على الأرجح ترجع إلى تاريخ خلق الأرض . كذلك لانعرف أولى بدايات تعرف الإنسان عليها ، إلا أن أول الشواهد الأكيدة على استعمال الإنسان النار هو العثور على كهوف تشوكوتين في الصين ووجود المواقد فيها ، أي أن إنسان الصين الذي يطلق عليه سينانثروبوس Sinanthropus قد أتيح له استخدام النار . أما أقدم الأدلة على إيقاد الإنسان للنار فقد جاءت من أوربا ، حيث عثر على قطعة من الخشب المحترقة في کهف کرابینا في يوغوسلافيا الذي يرجع تاريخه إلى أكثر من مائة ألف عام . كذلك فقد عثر الباحثون في كهوف بالحبشة على بقايا إنسان الأوسترالوبيثيکوس بروميثيوس(۱) (Australopithecus prometheus) وهو أقدم من إنسان الصين بكثير وأقل منه في المرتبة الإنسانية) (شكل 3) ، وبجواره آثار تفيد عن استخدامه للنار . غير أنه لايجدر بنا أن نقرر حقائق في هذا المجال لأننا لانزال نعرف القليل عن تاريخ النار ، فربما ما زالت هناك حقائق لم تكتشف بعد ومن ثم فإن التقرير القاطع في هذه المسائل هو افتراضي أكثر من كونه علمي ثابت . أما ما ورد في بعض المؤلفات والقصص عن رحالة تحدثوا عن قبائل لم تعرف عن النار شيئا ، ولم تعرف عن كيفية إيقادها ، فقد اتضح بصورة قاطعة أنه لاصحة لأي من هذه الروايات المختلفة . ونخلص في هذا المجال إلى أن استخدام الإنسان المبكر للنار هو مؤكد بالدليل القاطع ، ففحم الخشب صلب ويقاوم الفناء لأن مادته هي الكربون وعند دفنه يبقى على حاله مهما طال عليه الزمن . وبالرغم من صعوبة التمييز أحيانا مابين فحم الخشب الطبيعي، وبين بقايا فحم خشب من نار أوقدها الإنسان فإن عثورنا على فحم خشب لاتدع مجالا للشك في أن طلائع الإنسان المبكر قد استخدم النار استخدامة فعلية كما سبق ذكره .
وبالرغم من الفوائد الكبرى التي جناها الإنسان من اهتدائه للنار إلا أننا لا نعرف يقينا كيف كان اهتداؤه إليها . وقد يكون أول عهد للإنسان بالنار حين أوقدت في غابة ، لسبب أو لآخر ، مثل اشتعال شجرة صعقها البرق ، أو بسبب احتكاك أغصان جافة بفعل ريح هوجاء عاصفة ، أو بسبب اشتعال الأوراق الجافة للأشجار .. وربما ساعد على إيقاد النار اندماج لبعض المواد الكيميائية ، وربما شاهد الإنسان لأول مرة النيران حين انبعثت من بركان متفجر فتعرف حينئذ عليها .
ويغلب الظن أن إنسان ما قبل التاريخ قد ولى هاربة من النار خشية منها في البداية ، ثم راقبها عن بعد حتی خمدت فغلب فضوله خوفه وعاد حذرة يستكشف بقاياها ليجد فيها الدفء اللذيذ الصادر عن أخشاب التهمتها النار وانطفأ لهبها ، فصار يعتادها تدريجيا كلما اشتعلت فآنسه دفؤها حين كان يقشعر من برودة الجو.
التعرف على إشعال النار :
لعل مراقبة الإنسان للنار عرفته بأولی حقائقها فأدرك أن تغذيتها بوقود يحافظ على جذوة اشتعالها ، قبل أن يهتدي بنفسه إلى إيقادها. ولايعرف مدى الزمن الذي انقضى منذ استخدم الإنسان النار . حتى يتمكن من إيقادها بنفسه . فبقدرة الخالق أدرك الإنسان – أثناء کسره حجر بحجر- أن احتكاك حجرین صلبين يحدث أحيانا شرارة . ولعل هذه الملاحظة هي التي أفضت به أخيرة إلى إشعال النار وإعادة إيقادها كلما انطفأت .
ترجع أقدم الأدلة التي عثر عليها عن تمكن الإنسان من إيقاد النار بنفسه إلى نحو ثلاثين ألف سنة . حيث عثر على قطع من كبريتيد الحديد الطبيعي Iron Pyrite تصلح للاستخدام كقادحات للنار ، وقد اختلطت مع بقايا من فحم الخشب . ومن المؤكد أن أول الممارسات التي اتبعها الإنسان في إيقاد أو إشعال النار كانت تعتمد على نظرية الاحتكاك . وقد استخدمت لهذا الغرض عدة طرق ناجحة منها على سبيل المثال قتل العصا
تقدمت معارفه بطبيعة الأخشاب واستخدامها، والتعامل معها كنشرها أو صقلها. وقد تطلب ذلك منه دون شك مهارة أولية وحرص شديدة على إبقاء النار موقدة . وقد استمرت هذه العادات الزمن قريب . فالقرويون يحافظون في العادة على اشتعال النار في الموقد طالما كانوا حوله . كما أن سكان استراليا الأصليون كانوا يحملون مشاعل النار أينما رحلوا ، حرصا على إبقاء النار موقدة بصورة دائمة .
وربما بهذا الاكتشاف تمكن الإنسان من تحقيق واحد من أعظم إنجازاته البشرية. ذلك أن النار كانت القبس الذي استدل منها الإنسان على الطاقة فعرف من خلال مسيرة طويلة – عبر التاريخ – مصادر هذه الطاقة ومن ثم عرف كيف يستخدمها ويولدها ويصل عن طريقها إلى اكتشاف القوى المحركة الأخرى .
استخدامات الإنسان للنار :
يعتقد أن أولى استخدامات الإنسان للنار كانت في إنارة ظلمات الليل الداكن وتبديد دجي الكهوف التي كان يأوي إليها . ثم ساعدته النار على أن يسيطر جزئية على بيئته فحمی نفسه بواسطتها من الحيوانات الضارية التي كانت تهاب النار وتفزع منها، وهكذا منحت النار الإنسان الشعور بالأمن بعد أن هدأت سكينته واستقوى بها على الحيوانات التي كانت تنازعه وجوده .
بعد ذلك عرف الإنسان كيف يستخدم النار في طهو طعامه . فمن المرجح أن الإنسان قد أمضى زمنا طويلا وهو يتغذى بالطعام النيء إلى أن وقع على حيوان محترق أو قطعة لحم لفحتها النار فاستساغ مذاق الشواء في لحظة جوع أجبرته على تذوقها ومنها استعان بالنار في تحضير طعامه .
فبالإضافة إلى الطعم اللذيذ الذي تضفيه النار على غذائه ، فإنها تجعله لينا سهل المضغ وأفضل من الناحية الصحية . كما أن عناصره الغذائية تتحرر أكثر بحرارة النار فترتفع قيمتها فيحتاج إلى مقادير أقل لإشباع احتياجاته . وقد أتاحت النار للإنسان أيضا الوقت ليتفرغ الشؤونه الأخرى . ففي إحدى الدراسات التي أجريت على الزمن الذي تستغرقه بعض الحيوانات لتأمين احتياجاتها الغذائية تبين أن القردة تنفق نصف أوقات يقظتها في الأكل والنصف الثاني في السعي للطعام . في حين أن الغوريلا المتخصصة بتناول براعم الخيزران – وهي ألياف غليظة على الهضم – تمضي معظم أوقات النهار في تناول غذائها. ومهما كانت قدرة الإنسان الأولى على تناول الجذور واللحوم النية ، فإنه كان يستغرق معظم وقته في تناول طعامه . غير أن النار هيأت لطعامه الليونة والطراوة والعناصر التي يحتاجها لقوام وجوده ، وفي وقت قصير لايتجاوز ساعتين في اليوم يتفرغ بعدها لشؤون أخرى كان لابد منها لإعمار الأرض والارتقاء بإنسانيته من درك الحيوانية إلى السمو البشري .
ولعل الإنسان قد لاحظ أن دهن الحيوانات يؤجج لهب النار حين يسقط عليها، ويتوهج لهبها فتزداد إضاءة كهفه ويسري في أركانه نورة ساطعة . واهتدى بذلك إلى تهيئة فجوة في كهفه يضع فيها الدهن والأعواد وما تعرف عليه من مواد الاحتراق لتكون بمثابة مصباح ثابت . ويمضي الزمن استدل على أداة مجوفة يوقد فيها النار فيحملها أثناء تنقله وكان ذلك هو المشعل أو المصباح الذي وفر له أول وسيلة للإضاءة تعلمها الإنسان . فلا ريب أن فضل الله عظيم على هذا الإنسان فبإشعاله النار أحس بالأمن والطمأنينة في نفسه، فليس أقدر على تبديد الخوف والوهم والقلق الذي تسببه العتمة والظلمة من نور ساطع يشيع السكينة والأمان في النفوس .
كما يرجع لاستخدام النار غير المباشر ، اتساع دائرة الانتشار السكاني والامتداد في إعمار كوكب الأرض . فبعد أن منحت النار الإنسان الدفء أثناء مقامه ، فقد شجعته كما ساعدته على الارتحال من المناطق الاستوائية الحارة نحو الشمال إلى المناطق الباردة والأقل إرهاقا مستعينة على برودة طقسها بالحرارة التي وفرتها له النار .
لقد كان انبهار الإنسان بالنار في بداية عهده بها واستئناسه لها جعله يمعن في مراقبتها . وحينما ألقيت بالمصادفة قطعة من الطين أو الصلصال إلى جانب نار موقدة فلابد أنه لاحظ أن الطين يحتمل أوارها ويقسو من حرارتها . وربما سبق ولاحظ كذلك أن بصمة قدمه في الطين تحافظ على الماء دون أن يتسرب منها ، فتجمعت لديه من الملاحظتين ما مكنه من استغلال هذه المادة التي تحيط به بكثرة ، والتي تطاوع يديه عند العبث فيها ومحاولة تشكيلها، ثم سهولة تجفيفها في الشمس أو النار . ومن المؤكد أن الإنسان قد حفظ طعامه وشرابه في آنية من هذا النوع آلاف السنين قبل أن يخترع واحدة من أولى وأعظم الصناعات التي عرفها الإنسان القديم وهي صناعة الفخار .
ولم يعثر في العصر الحجري القديم الأدني على أي أدوات فخارية ، وإنما ظهرت قطع قليلة في آثار الثقافة المجدلانية في بلجيكا .
إلا أن العصر الحجري الحديث ( النيوليثيك) قد خلف لنا بعض الأدوات والآيات التي استخدمت في طهو الطعام. وقد كانت على شيء من التقدم في الصناعة مما يوحي بأن استخدام الفخار وصناعته في ذلك الوقت قد قطعت شوطا طويلا جعل الإنسان ينتج من هذا الطين أشكالا ذات جمال ونفع مع زخرفة بالشكل أو بالرسوم الساذجة . وبهذا فقد ذهب الإنسان مع الطين إلى أبعد من استثماره كصناعة فحسب ، بل تعاطى معه كفن أيضا .
وهكذا وبهداية الله للإنسان في اكتشافه للنار منذ العصر الحجري استطاع أن يمارس أولى نزعاته الفنية حين تعامل مع الطين والفخار بیدیه .
إضافة لكل ما سبق فإن الخطوة الأولى الراسخة التي خطاها الإنسان في عالم الصناعة كانت بفضل الله ثم اكتشاف النار . فبواسطتها تمكن من التعامل مع الفلزات التي عثر عليها فصهرت النار له هذه المعادن ومكنته من مزجها والتحامها مع بعضها البعض وخطا أول خطوة حقيقية في الصناعة مما أجاز لصاحب موسوعة قصة الحضارة أن يقول إن الإنسانية بدأت بالكلام والصناعة بدأت بالنار .
من هذه الفوائد الرائعة التي جناها الإنسان من اكتشافه للنار ومن فرط إنبهاره بها وروعه منها كانت له وقفات عبر التاريخ القديم في تقديسها وإجلالها وأحيانا في عبادتها .
 

أضف تعليق