علم الفلك والكونيات

إن انبهار الإنسان منذ فجر الحياة بالسماء وتأمله مداها اللامحدود وعظمة كواكبها وأفلاكها، حرك في نفسه رغبة كامنة لإدراك هذا الكون والاستدلال على أسراره واستكشاف أبعاده وهو ما قد يوحي لنا بالجذور التاريخية العميقة لعلم الفلك و ممارسته . ويقول في هذا الصدد لانسلوت هوجين في كتابه ” الرياضيات للمليون” [في الأفق المتصل بالسماء ، أدرك الإنسان الأول الموت والحياة ، واليقظة والرقود والخصب والفناء . كان البزوع كواكب متجددة ، ولاختلاف قسمات القمر ، وغروب الشمس وشروقها وأثر ذلك على رقاده ويقظته ، معنی أعانه على إدراك ساعة الزمن ، ومواقيت أمور حياته . إلا أن الكهان اقتنصوا هذه المهمة واحتكروا وساطة الاتصال بالسماء .
وكشأن معظم العلوم والآداب قديمة ، بدأ علم الفلك بالكهان باعتبار أن من وظائف الكاهن الأساسية العبادات ، التي ترتهن بتحديد مواقيت الطقوس والمحافل الدينية في کنف المعابد .
وقد ارتكزت العبادات في كل الأديان ومعظم العقائد على علم فلکی یدعو أحيانا إلى الدهشة بالرغم من امتزاجه بالتنجيم والأساطير (الميثولوجيا)) واقتصار أدواته على المشاهدات الفلكية ومراقبة النجوم . وقد أضفت مراقبة السماء وعلاقتها بالعبادات قدسية خاصة استمد منها الكهنة شرعية ممارساتهم فأحاطتهم بهالة قدسية ارتفعوا بها عن الشرائح الأخرى في مجتمعاتهم .
وحين انتشرت الزراعة وأصبحت محور حياة الناس ، وأدت إلى استقرارهم ومن ثم قامت التجمعات البشرية، وأنشئت المدن ، كان لابد من قياس الأراضي المزروعة وحساب المحاصيل، ومعرفة الفصول ، ووضع التقاويم اللازمة لإدارة أعمال الزراعة ، وهذا ما استدعى أن يخرج الفلك عن سور المعابد وقلنسوات الكهان ولم تعد ممارسته مقتصرة على رجال الدين .
ونتيجة للتوسع الزراعي وما أغدقه من محاصيل فائضة عن حاجة التجمعات السكانية المعزولة والمبعثرة ، تنامت التجارة ومن ثم الملاحة التي اقتضت الإلمام بالفلك أيضا لتحديد وجهات السفن عند الإبحار . وهكذا ساهمت الملاحة بدورها في الاهتمام بالفلك وتطور علمه . و الإلمام بالفلك عبر الأجيال المتعاقبة باعتباره جزء من التراث الديني أو المعرفي اللازم لشؤون حياة الناس سواء العقائدية أو المهنية .
وإذا كانت احتياجات الإنسان في البداية للتقويم قصير المدى يلبيها القمر ، فإن اهتمامهم بمواسم الزراعة فيما بعد أدى إلى أن تصبح الشمس مرتكزة للتقويم السنوي الذي تتطلبه الزراعة ومحاصيلها الفصلية أو السنوية . وتعمقت مدركات الإنسان بعلم الفلك قبل 4000 سنة أيام البابليون حيث تمكن البابليون من اكتساب المهارات الكافية لأن يعتبرهم الاغريق بالفلكيين المهرة . فخلال فتوحات الاسكندر الكبير ) أرسل کالیستان Callisthene إلى خاله أرسطو يطلعه على الكشوفات البابلية التي سبقت تلك الحقبة ب ۱۹۰۰ سنة . أي أن البابليين قد تمكنوا من تدوين ملاحظات فلكية ترجع إلى أكثر من 4000 سنة .
وقد قام بعض المؤرخين العلميين بدراسة اللوحات التي تركها علم الفلك البابلي الأشوري وتبين أن هذا الإرث يتعدى كونه علما رصدية مدهشة ، بل كان أيضا علما نظرية احتلت الرياضيات فيه حيزا هاما .
وقد قسم العلماء النصوص واللوحات المتعلقة بالفلك في حضارة ما بين النهرين إلى فئتين: الفئة الأولى : القديمة وت تضمن مجموعتين من اللوحات إحداهما تنبؤية والأخرى فلكية تتضمن أسماء الأبراج أو الكواكب ورصد ظهور وغياب بعض النجوم والرصد المنهجي للكسوفات . الفئة الثانية : الأكثر حداثة وهي تعود إلى حوالي 300 قبل الميلاد وهي مستندات سلوقية تتعلق بمواقع الكواكب المدروسة (سواء القمر أو النجوم والعلاقات بين هذه الكواكب .
وقد اقترن علم الفلك لدى البابليين اقترانا وثيقا بالتنجيم الذي يعتبره المؤرخون هو علم الفلك التطبيقي في الحقب التاريخية القديمة .
فالعقيدة الدينية لدى البابليين تتمحور حول العلاقة مابين الحدث السماوي والحدث الأرضي ، بمعنى أن الحياة الإنسانية تعتمد على مواقع النجوم، ومن ثم لابد من معرفة نجم كل إنسان في لحظة ولادته . ونجاح التنبؤ والتنجيم يرتهن بتحديد النجم الذي يبزغ لحظة ولادة الإنسان .
ومن هنا كان لابد من وجود منجمين معا أحدهما يرصد السماء ، والآخر يعلن لحظة الولادة لتحديد برج المولود الجديد .
وتدل آثار البابليين على أنهم استعانوا في تنجيمهم البروجي (أي المرتبط بالأبراج) ،
ورصدهم الفلكي ، بأدوات عديدة مثل المزولة الشمسية)، والساعة المائية)، وأداة خاصة بهم أطلق عليها (البولو)
ويرجح العلماء أن هذه الأدوات الثلاث هي من اختراع البابليين وحدهم .
وقد قسم البابليون اليوم إلى إثني عشر قسم متساوية . يعادل كل قسم ساعة مضاعفة . وبما أن النظام العددي لديهم هو ستيني (كما سبق ذكره) ، فالساعة المضاعفة تقسم إلى ستين دقيقة مضاعفة ، والدقيقة المضاعفة عبارة عن ستين ثانية مضاعفة . وقد اعتمد مبدأ التقسيم البابلي من قبل العبرانيين ثم الاغريق ومن بعدهم الرومان .
كما استطاع البابليون منذ ۲۰۰۰ عام ق.م أن يسجلوا بدقة متناهية شروق کوکب الزهرة وغروبها ، وأن يميزوا بين النجوم الثوابت والكواكب السيارة ، ويحددوا مسارات هذه الكواكب .
كما توصلوا إلى تعيين تاريخ الانقلابين الشتوي و الصيفي بالإضافة إلى الاعتدالين الربيعي والخريفي .السماء أما نظرة البابليين للكون فقد كان تصورهم للعالم عبارة عن كرة كالفقاعة الأرض عائمة على بحر أساسي، والأرض محاطة بالبحار وفوقها قبة السماء النصف كروية وفي مرحلة متأخرة أصبحت رؤية البابليين مختلفة قليلا إذ اعتقدوا بوجود سماء صلبة تتدلى منها النجوم .
أما علم الفلك لدى الحضارة المصرية فلاتزال المصادر المكتشفة لاتوفر إلا قدرة ضئي؟ من الأسانيد لا يكفي لإحاطة صحيحة بكامل إنجازاتهم في هذا العلم .
وقد يرجع السبب إلى أن النصوص المدونة على أوراق البردي تعرضت للتلف بصورة أسرع مقارنة بالنصوص التي دونها السومريون على ألواح الطين المشوي . وهذه الواقعة لابد من أخذها بالاعتبار عند إجراء أية مقارنة ما بين الحضارتين . حيث أتاح أسلوب التدوين عند السومريين حفظ آمنا قاوم الدهر مقارنة بالكتابة على أوراق النبات التي أعياها صروف الزمن . ويبدو أن المصريين قد اعتمدوا تقويما يستند إلى رصد فلكي يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد وقد اعتبر ذلك مؤشرا على أن المصريين قد حازوا على علم نجومي منهجي عريق.
وقد قسم المصريون السنة إلى أثني عشر شهرا كما قسموا الشهر إلى ثلاثين يوما . أي أن السنة لديهم تساوي 360 يوما وقسمت السنة إلى ثلاثة فصول متساوية تكملها خمسة أيام زيادة على السنة ، أي أن السنة المصرية تعادل السنة الراهنة لدينا المكونة من 365 يوما. ويكون الفصل أربعة أشهر وهذه الفصول هي : الفيضان ” قحط ” ، الشتاء ” بیرت” بمعنی “خروج ” ويقصد به خروج الأراضي أي انحسار المياه عنها ، والصيف “شيمو” أي نقصان المياه . إلى جانب هذا التقويم ، استعمل المصريون تقويمية دينية طقوسي يرتكز على حركات القمر . وقد اقتصر استعمال هذا التقويم على تحديد مواعيد الأعياد الدينية .
ومن المعلوم أن الأهرامات التي بناها الفراعنة كانت وجوهها باستقبال الجهات الأربع الرئيسية ، ومن الملفت للنظر أن الانحراف بالنسبة للشمال الحقيقي في الأهرامات الكبرى لم يتجاوز درجة واحدة ، بالرغم من ضخامة هذه الإنجازات العملاقة ، مما يؤكد أن المصريين امتلكوا أسلوبة صحيحة ودقيقة للتوجيه المحكم نحو الشمال ، وذلك بالرغم من عدم معرفتهم بالبوصلة . وهذا ما يفترض أن المصريين تمكنوا من إجراء رصد نجومي بالغ الدقة وفر لهم الأسلوب الصحيح لتوجيه الأهرامات الكبرى عند إنشائها على النحو المطلوب .
ولم يعثر في النصوص المصرية على أية إشارة تدل على ملاحظاتهم عن الكسوفات الشمسية ، بعكس السومريين الذين وضعوا جداول عددية حسابية عن الكسوفات . إلا أن أسباب غياب تدويناتهم عنها في الأرجح هي نقص في المصادر وليس جهل في المعارف وذلك إذا أخذ بالاعتبار إنجازاتهم العظيمة حتى في المناحي الأخرى من علم الفلك .
أما صورة الكون عند المصريين ، فتتمثل في رؤيتهم للسماء على أنها سقف صلب منها تنساب المياه التي تحصر الأرض . والجواري الكنس أو ” الكواكب السيارة” ، والمجرات ، فإنها تعوم في الفضاء فوق النيل وتحت السماء . في حين تتدلى النجوم من سقف حديدي کالمصابيح الدرية توقدها قوة مقدسة لتضيء بنورها الليالي على كوكبنا الأرضي.
أما نظرة المصريين للشمس فتصفها مدوناتهم وكأنها زورق يحمله رب السماء بدعم من إله الهواء . في حين يبقى إله الأرض مسترخية دون حراك .
وبصورة عامة فإن المصريين قد برعوا وتفوقوا في مجالات العلوم التطبيقية أكثر من إبداعهم في العلوم النظرية . وهذا لا يعني بالطبع أي انتقاص من أهمية وقيمة تلك العلوم التي أبدعوا فيها وحققوا عن طريقها إنجازاتهم التاريخية الرائعة .
أما في الصين القديمة فقد كان الفلكيون والمنجمون يعملون في خدمة الدولة كموظفين ذلك لأن تنبؤاتهم تعتبر على قدر من الأهمية لضمان نجاحات الحكومة .
وقد دون الفلكيون ملاحظاتهم عن خسوف القمر عام ۱۳۶۰ ق.م، وعن کسوف الشمس عام ۱۲۱6 ق.م على العظام باعتبارها الوسيلة المستخدمة لتسجيل كتاباتهم ، كما تمت الإشارة إليه في موضع سابق . كما قسم الصينيون القدامى السنة إلى 365 , ۲۰ يوما وإن كانت في مدونات أخرى أكثر قدما ذكر فيها أن السنة تعادل 366 يوما ، ويحتمل أنه قد جرى في وقت لاحق تصحيح لعدد أيام السنة حتى أصبحت فيما بعد 365
وتبدأ السنة لدى الصينيين بالشتاء ، وكان لديهم ما يسمى بالدورات . والدورة هي المدة التي في نهايتها يعود القمر والشمس إلى مواقعهم النسبية . وطول هذه الدورة هي تسع عشرة سنة . أما دورة خسوف القمر فهي ۱۳۰ سنة .
وقد أحصى الصينيون القدامى النجوم وأصدروا بها بيانا إحصائية ذكروا فيه أن عدد النجوم هو 1464 نجمة تضمها ۲۸۶ مجموعة وفي كل مجموعة عدد من هذه النجوم .
وقد استخدم الصينيون المزولة الشمسية ، والساعة المائية . كما استخدموا أدوات طقوسية بشكل أنابيب وحلقات من ” الجاد” كما استخدموا مطحنة مائية لتدوير كرة سماوية من البرونز .
أما تصور الصينيون للكون فلم يكن ثابتة وخلال العصور القديمة اشتملت رؤيتهم للكون عدة أنظمة .
فالنظام الأقدم يظهر فيه أن قبة السماء هي غطاء نصف دائري يدور فوق أرض مربعة . والشمس والقمر ، وإن كانا يتحركان باتجاهين متعاكسين ، إلا أنهما مجروران كالنمل فوق حجر الرحى . وتسمى هذه الرؤية ” السماء الغطاء ” .
أما الرؤية الثانية فتعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد فهي نظرية السماء المدورة الكروية .. والكون فيها يشبه بيضة مدورة حيث قبة السماء هي القشرة والأرض هو صفارها . وليس هناك من يعرف ماذا وراء قبة السماء ، لعدم وجود أية معالم أو حدود .
أما رؤيتهم الثالثة والأخيرة فبموجبها فإن السماء ليست صلبة ، وما زرقتها إلا انعکاس على النظر . وفي هذه السماء ووسط هذا الفراغ تسبح النجوم والشمس والقمر ، ولا مخافة من سقوط للسماء لأنها ليست من مادة جامدة . وتسمى هذه الرؤية ” بالليل الطويل ” .
أما علم الفلك الهندي القديم فقد ورد فيه ذكر لعدد من الكواكب ، كما ورد فيه أن السنة مدتها 360 يوما موزعة على اثني عشر شهرة، وإشارة عابرة إلى شهر إضافي ثالث عشر من ثلاثين يوما. وكان احتساب الشهر الإضافي في كل خمس سنوات حين تكتمل حقبة زمنية ، وقد أطلق على هذه الحقبة اليوغا . Yuga وتعتبر حقبة اليوغا هي التامة . وفي مدونات أخرى تصبح الحقبة بعد احتساب الشهر الإضافي مدتها ۱۸۰۰ يوما وتعتبر عندئذ مدة قصيرة جدا” ومدة اليوغا هي ۱۸۳۰ يوما بعد إضافة زمن التصحيح المتمم . وتعتبر بذلك مدة ” قوية جدا ” . إضافة لذلك هناك حقبة مقربة طولها ۱۸۲۹ يوما وربع اليوم .
وقد تم تصحيح الحقب الزمنية نتيجة الاهتمام بحركات الشمس والقمر وملاحظة العلماء الهنود لهما خلال حقب طويلة نسبية .
واليوم القمري هو جزء من ثلاثين جزءا من الشهر ، ويعادل في نظر الفلكيين الهنود مسارة وسطية مقداره ۱۲ درجة من أصل 360 درجة وبما أن سرعة الحركة الظاهرية للقمر غير ثابتة ، فهذا ما يجعل اليوم القمري في نظرهم متغير المدة .
والسنة عند الهنود القدامی تنقسم إلى ثلاثة فصول ، وكل فصل أربعة أشهر . أما عن إحصاءاتهم المتعلقة بالنجوم ، فقد وردت لائحة عندهم بسبع وعشرين مجموعة من النجوم كل مجموعة تدل على قسم مثالي المنطقة فلك البروج . وهذه المجموعات متساوية فيما بينها وكل مجموعة مقدارها ۱۳ درجة و ۲۰ ثانية .
ولم يهتم الهنود كثيرة في مستهل حضارتهم معرفة مستقبل الأفراد من أحوال السماء یوم ولادتهم كما كان شأن البابليين حين ربطوا الحدث السماوي بالحدث الأرضي ، غير أنه توجد بعض الدلائل على استخدام الهنود للظواهر الكوكبية في التنبؤات المستقبلية عندهم.
كما ظهر لدى الهنود قبل الميلاد بقليل ، وبتأثير من اتصالهم باليونانيين ، اهتمام خاص بعلم النجوم وتطبيقاته الشعبية ، أي التنجيم . ومن علامات هذا الإهتمام الواضح هو تسمية بعض الأشخاص بأسماء أو مسميات ذات دلالة على اعتبار هؤلاء الأشخاص تحت حماية النجوم ، كان يسمى أحدهم مثلا الزهرة ، أوعطارد ، أو المشتري وغيره .
وفيما يتعلق بالكونيات في العلم الهندي القديم ، فقد ورد في تراثهم المتعلق بوصف الكون أن مركزه قائم على جبل ” میرو Meru” ومحور هذا الجبل هو محور القطبين . وحول هذا المحور تدور الكواكب . وفي قمة جبل ميرو تسكن الآلهة المتحكمة بنصف الكرة الأرضية الشمالي . أما النصف الجنوبي للكرة الأرضية المقابل ، فيقطن فيه الأعداء .
وتتكون الأرض الكروية من أربع قارات تقع في الجهات الرئيسية بالنسبة للهند . وقمة جبل ميرو هي الشمال بالنسبة لهذه القارات .
وتتربع الآلهة فوق میرو ترقب من هناك الشمس بصورة دائمة فليس للآلهة شروق أو غروب يومي للشمس. والسنة الكونية للناس تعادل يوما كاملا عند الآلهة . والسنة الإلهية مكونة من 360 يوما إلهية أي 360 سنة بشرية .
أما الأدوات الفلكية عند الهنود فأهمها الكرة ذات الحلقات بالإضافة إلى المزولة الشمسية التي كانت الأداة الرئيسية في الفلك لدى معظم شعوب الحضارات القديمة .
الفلك والكونيات عند الإغريق :
إذا أمكن للمؤرخين أن يسجلوا تاریخ علم الفلك والكونيات لدى البابليين أو المصريين أو الهنود أو الصينيين ، فإن ذلك غير ممكن بالنسبة للإغريق على الوجه الذي تم تناوله في الحضارات الأخرى .
ذلك لأنه لم تكن هناك رؤية إغريقية موحدة للكون أو عناصره المؤطرة لعلم الفلك ، بل كانت هناك رؤی وفرضيات وأفكار إغريقية متباينة وواسعة الطيف طرحها التألق العقلي والاشعاع الذهني لعدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإغريق على امتداد قرون من زمن حضاراتهم . وقد يعزى تباين الفرضيات والرؤى العلمية والفلسفية للإغريق إلى خصوصية و تمیز تفردوا به عن سائر الحضارات التي سبقتهم أو زامنتهم ، حيث شاع الفكر والتأمل في المجتمع الإغريقي وانتشرت فضيلة تعميمه لدى شريحة الحكام المكونة لمجتمعهم القائم على شريحتي الحكام والعبيد .
وقد أدى انعزال الإغريق في شبه جزيرة الأناضول وفي جزر کریت واليونان و طروادة وغيرها (الخارطة۷)، وكذلك بعدهم عن بابل ومصر ، إلى تحرر عقلي ، وفردية في التفكير بالرغم من اطلاع بعضهم على ثقافات من سبقوهم) يجيز للبعض اعتبارها ابتكارة إغريقية صرفا . فلم يتأثر سكان الجزر الإغريقية بالتقاليد الثقافية والإنتاج الذي ساد مصر وبابل ، في وادي النيل وبلاد مابين النهرين ، بل احتفظوا بانعزاليتهم التي جنحت بهم نحو نزعة الفردية) الموغلة في التأمل والتفكير ، مما جعل منهم فلاسفة ومفكرين لم ينقطع الحديث عن نتاجهم بالرغم من مئات السنين التي انقضت على تألقهم الفكري والفلسفي والعلمي .
من هذه المنطلقات أصبح استعراض تاريخ الفلك والكونيات عند الإغريق يستلزم بالضرورة تناول فرضیات ورؤى الفلاسفة والمفكرين الإغريق على اختلاف مدارسهم وفرضياتهم المتباينة .
إلا أننا قبل استعراض تاريخ الفلك والكونيات عند الإغريق لابد من التعرف على التاريخ الزمني للعلم الإغريقي والحقبة التي تألق فيها .
يجمع المرخون على أن الإشراق العلمي للحضارة اليونانية قد استمر تسعمائة عام وجاز لهم تقسيمه عموما إلى ثلاث مراحل تمتد كل منها عبر ثلاث مائة عام . المرحلة الأولى : والتي تبدأ منذ عام 600 ق.م وحتى موت الفيلسوف ارسطو عام ۳۲۲ ق.م وهي الأكثر خصوبة وأصالة . وقد شهدت هذه المرحلة ولادة الأفكار الرائدة والحديثة في عالم العلم بالنسبة لذلك العصر . إلا أن خصوبة تلك المرحلة اقتصرت على الأفكار النظرية الخلاقة ولم تقدم للإنسانية نتائج عملية كما هو الحال بالمرحلة التي تلتها. وأهم سمات هذه المرحلة هي نشوء وتطور المدرسة العلمية الأيونية(1). أما المرحلة الثانية : (ويطلق عليها المرحلة الهيلينية) فهي تبدأ في رأي غالبية المؤرخين من تأسيس مدينة الاسكندرية وتنتهي باكتمال الغزو الروماني للشرق في بدايات نزول الديانة المسيحية . ومن ملامح هذه المرحلة تقديمها للحضارة الإنسانية علماء الرياضيات العظام اقلیدس ، وأرخميدس وأبولونیس . كما تعرف هذه المرحلة بأنها زمن تأليف الكتاب المدرسي لغزارة الكتب التي ألفت ودونت وبوبت خلالها . المرحلة الثالثة والأخيرة : تغطي القرون الثلاثة الأولى للإمبراطورية الرومانية أي من مولد السيد المسيح عليه السلام إلى حوالي ۳۰۰ بعد الميلاد وتعتبر الأقل أهمية علمية في تاريخ الحضارة الإغريقية .
أما أهم علماء وفلاسفة الإغريق خلال المراحل الثلاث وأبرز مساهماتهم في علم الفلك والكونيات فهم : * تاليس Thales : (۹۲۶ – 547 ق.م) :
يعزى إلى تاليس وهو من مدينة ميليتوس(۱) (ملطية) أول الأعمال العلمية العظيمة التي قام بها الإغريق . ومن المرجح أن تاليس قد اتصل بعلوم البابليين وعرف عن رؤيتهم للخلق القائمة على أن الله خلق العالم من الماء فقال أن الكون يتركب من الماء وهو في حالة دائمة التغير . والأرض محمولة على الماء ، والعالم بأكمله يعيش على تبخر الماء .
والسؤال الهام الذي طرحه تاليس هو عن طبيعة العنصر الأولي ، المولد ، وبنية الكون . فقال إنه الماء . والكون محاط بالماء بصورة كرة هوائية في وسط كتلة سائلة لانهاية لها . والسطح المقعر في الكرة هو السماء والسطح المستوي هو الأرض التي تقوم على المياه من تحتها. ويفسر هذا الوضع ما يطرأ على الأرض من هزات و ارتجاجات والظواهر الأخرى التي تعتريها .
أما الكواكب فتعوم فوق المياه العليا وتخضع في حركتها لقوانين مهمة منتظمة تساعد على التنبؤ بها. وكان تاليس أول من أشار إلى أن القمر تضيئه الشمس ونال تقديرة عظيمة من مجتمعه لأنه تنبأ بالكسوف (۲) دون أن يذكر عن معرفته بعلوم البابليين الذين عرفوا قبله أن الكسوف يحدث كل ثمان عشرة سنة وأحد عشر يوما.
* أنا کسیماندر Anaximander 🙁 547
– 611 ق. م) : اختلف أنا كسیماندر عن تاليس في طبيعة العنصر الأولي وإن اتفق معه على أهمية هذه المسألة . فبالنسبة إليه فإن الكون نشأ عن سبب مادي أو مادة أولية أطلق عليها تسمية ” المادة غير المحدودة” أو ” الأبيرون “Apeiron وترجمة هذا المصطلح الدقيقة تعني اللانهائي واللامحدود. وحسب ماقصده أناکسیماندر فإن السبب المادي أو المادة الأولية تعني الاثنين معا أي اللانهائي واللامحدود . وتعني أيضا كل العناصر ، أي أن كل الأشياء تندمج معا . وهذه المادة الأولية أبدية ولا حدود لها وحركتها دائرية أدت إلى نشأة الكون . وفق تصور أناکسیماندر فإن الأكوان – Kosmoi- في رأيه هناك أكثر من كون – تولدت من تنظيم الأبيرون الذي يضم كل العناصر بصورة متعارضة أي غير منتظمة . والأكوان عضوية تنشأ من اختلاف وتباين العناصر المكونة للأبيرون . والنجوم – في فرضية أناکسیماندر- هي دوائر فارغة من المادة إلا أنها مكونة من الهواء الكثيف و مملوءة بالنار ، وتحيط هذه الدوائر بالأرض الأسطوانية والمحدبة السطح والموجودة في حالة توازن في الفضاء.
أما الأبيرون المحيط بالكون والعلة المادية الأولى لكل شيء مما فيه الكون فهي ليست ماء ولا أي عنصر آخر، بل هو جوهر مختلف عنها جميعا نشأت عنه السماوات والأكوان .
وقد وصف أنا کسیماندر نشأة الكون في نظرية تسمى “نظرية السدیم” أشار فيها إلى أن : الحار والبارد انفصلا أثناء الحركة الدائرية للمادة غير المحدودة وأحاطت النار بالأرض كما تحيط القشرة بساق الشجر . وتمزق الغلاف واتخذ اللهب شكل دوائر نارية هي الشمس والقمر والكواكب .
ويمكن أن ندرك من نظرية السدیم أن أناکسیماندر كان يقصد بالبارد الأرض والماء والهواء لكنه لا يفسر كيف تميزت هذه العناصر عن بعضها.
أناکسیمانس Anaximenes قبل عام 494 وغير معروف بالتحديد مولده ووفاته) :
نشأ كسابقيه تاليس و أناکسیماندر في مدينة ملطية في الفترة التي مرت فيها الإمبراطورية الفارسية هذه المدينة . وهو آخر فلاسفة ملطية .
وقد ذهب إلى أن المادة الأولية التي تتكون منها الأشياء والتي تحيط بالكون هي الهيولی ويسميها أحيانا ” الجوهر” وهي المسؤولة عن خلق كل الأجسام المحسوسة . ويفترض أن الهواء هو العنصر الكوني الأول . ويعزو إلى صفاته ومميزاته تفسير كثير من الظواهر . فالنار هواء مخلخل والماء هواء تكثف . وإذا ازدادت كثافته أكثر أصبح أرضا وصخرة . واختلاف الأشياء هو اختلاف في الكم يعزى إلى تخلخل الهواء وتكثفه . والهواء لانهاية له بالكون ويحمل الأرض.
والأرض مسطحة ترتكز على قاعدة ، فهي أشبه ما تكون بالمنضدة . ومن الواضح أن رؤية أناکسیمانس تعتبر تراجعا وعودة نسبية أو تقريبية إلى فرضية تاليس. * کزینوفان Xenophanes: (۵۷۰ – 4۷۰ ق.م.)
أعاد النظر في نظرية ” الهيولى أو الجوهر” التي قدمها أنا كسیمانس فقادته إلى تصور ” الواحد المطلق” الذي يملأ الكون ويحتويه وهو الله فالله – بالنسبة له – يسمو ويتعالی عن التناقضات ، ويفسر أزلية الكون وتعاقب الظواهر كما يفسر أبدية الكون وصيرورته .
فالفرق الأساسي بين الرؤية الكونية عند گزینوفان ومن سبقه يقوم على إنكار كل ” أبيرون ” ونفى القول بكل ماهو لامتناه . فالكون لا يتولد ، ولا يتنفس . وهكذا تمکن کزینوفان من استخلاص النتائج المنطقية من نظريات من سبقوه من فلاسفة مدينة ملطية ووظفها في الفكر الديني لینکر على الإغريق كل فكر أو معتقد متعلق بتعدد الآلهة. يعتبر کزینوفان أحد المؤسسين المدرسة
كبرى في الفكر العلمي أطلق عليها الإيليائية (1) “Eleatism” نسبة إلى مدينة Elea ( إيليا) في جنوب إيطاليا .
فیثاغورث(۱) والمدرسة الفيثاغورثية(۲) Pythagoras ولد حوالي عام 569 وتوفي في 475 ق.م
انصبت جهوده وزملاؤه في المدرسة الفيثاغورثية على الرياضيات . وترفض هذه المدرسة الحلول الوحيدة ، بمعنى أنها لاتقبل فكرة الهيولي أو الجوهر . وهكذا أدخلت التعددية في جوهر الكائن . كما تقول هذه المدرسة بوجود الفراغ في السماء وهو الذي يحدد الأشياء . إلا أن هذا الفراغ في نظرهم ليس مطلقة . إنه يشبه الهواء ويبقى كأنه مادة محيطة يتنفس الكون ضمنها.
بار مینیدس Parmenides ولد في إيليا حوالي عام ۰۰۰ ق.م :
وهو مؤسس المدرسة الإليائية مع تلميذه زينون ولم يخرجا عن موضوع ” الواحد” بل طرحاه بشكل آخر حيث اعتقدا أنه لا يوجد عنصر انتقال أو تحول بل هناك شيء يستمر ويقف وراء جميع الظواهر ، وهذا ما يمثل الحقيقة الوحيدة .
وقد حقق العلم بفضل بار مینیدس قفزة كبيرة حين أعلن أن الأرض كروية الشكل ، ثم قسم الكوكب الأرضي إلى خمس مناطق وعرف أن القمر يواجه الشمس بجزئه المنير على الدوام.
أمبيدوكل Empedocle (4۹۲ – ۶۳۲ ق.م.):
ولد في مدينة أكراجاس (حالية اجريجنتو في صقلية بايطاليا) ومات في مدينة بيلوبونیس باليونان.
يقدم أمبيدوكل تصورة للأرض على أنها كرة بيضوية الشكل، والأرض ثابتة في مركز الكون بسبب الحركة السماوية المتزايدة . ويری كذلك أن هناك توافق ما بين التطور الكوني وأبدية المادة . ويفترض أمبيدوكل أن مدة اليوم كانت تعادل عشرة أشهر عند ظهور الإنسان على سطح الأرض . ومن غير المعلوم ما هي المبررات التي قادته إلى صياغة مثل هذه المعتقدات . * زینون Zenon (490- ۹۲۵ ق.م.):
ولد ومات في مدينة إيليا بجنوب إيطاليا ويعتبر هو وأستاذه بارمينيدس Parmenides أحد أركان المدرسة الإليائية (المتعلقة بمدينة إيليا) التي سبق الإشارة إليها وتتمحور هذه المدرسة حول نظرية ” الواحد” وقالوا بكروية الأرض إلا أنهم وضعوها في محور الكون ، حيث تبقي متوازنة لانعدام أسباب حركتها . وذكروا أن حول الأرض تیجان من ضیاء وظلمات . أما الشمس والقمر فقد انفصلتا عن دائرة المجرة فالشمس عبارة عن مزيج حراري في حين أن القمر من مزيج أكثر كثافة وبرودة .
أناکساجوراس Anaxagoras (۵۵۰ – 4۲۸ ق.م.):
ولد في مدينة قلازوين الأيونية الواقعة بالقرب من مدينة إزمير التركية حالية . وقد ذهب إلى أثينا بدعوة من برکلیس(۱) بعد ازدهارها عقب انتصارها على الفرس وصد غاراتهم عن اليونان . وقد اعتبرت اثينا في تلك الحقبة مهبط العلماء والفلاسفة . ويعتبر أناکساجوراس أول من أدخل الفلسفة لأول مرة إلى أثينا .
وبعد أن تقدم السن ببرکلیس وضعف نفوذه اتهم الأثينيون من أصحاب الوجاهة والرأي في بلاط بر کلیس صديقه أناکساجوراس بالإلحاد والمروق ، لأنه كان مصرة على أن يظل الفلك علما ، ولايتحول إلى تنجيم أو لاهوت في يد رجال الدين . ومن أهم ارائه قوله أن الشمس جرم مستدير ملتهب ، لاتختلف طبيعتها عن طبيعة الأجسام الأرضية ، وقوله أن القمر أرض من جبال ووديان ودليله على ذلك ما يتساقط من السماء من أحجار .
وكانت مثل هذه الآراء مروق عن المعتقد الإثيني الذي يعتبر كل ماهو سماوي فهو إلهي. ولهذا كان لابد له من الهروب من أثينا حيث عاد إلى أيونيا وأنشأ بها مدرسة كرس الها وقته لحين وفاته .
وقد حاول أناکساجوراس رسم خريطة للأرض والسماء وقال عام 480 ق.م في معرض رده على الغرض من الحياة : هو البحث عن حقيقة الشمس والقمر والسماء . ويصف المؤرخون أناکساجوراس باعتباره أحد المنتمين للمدرسة الأيونية.

أضف تعليق