دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس

إن النجوم التي تعلو رءوسنا مباشرة في سماء الليل لتبدو حقا كأنها أقرب إلينا من الشمس التى غربت منذ قليل . ولكننا نعلم أن ذلك مجرد خداع نظر . فالنجوم أبعد من الشمس بما لا يقارن . ونحن نعلم ذلك لأننا نرى النجوم كمجرد نقط ضوئية في حين أن الشمس تبدو كقرص .
وقرب الشمس هو الذي يجعلها تبدو كقرص لا مجرد نقطة ضوئية . والواقع تعتبر الشمس ، بالقياس إلى الأبعاد الفلكية ، قريبة جدا منا . وهي نجمنا الخاص . وجميع الشموس الأخرى ، التي نسميها نجوما ، بعيدة عنا بعدة شاسعة بحيث إنها لا تبدو لنا ، حتى خلال أقوى المناظير الفلكية ، إلا كنقط ضوئية . وهي في الواقع من البعد بحيث إن الضوء الصادر من أقربها إلينا ، يستغرق أربع سنوات وربع سنة في الوصول إلينا . ولعلك تعلم أن الضوء هو أسرع شيء في الوجود . فهو يدور حول الأرض ثمان مرات تقريبا في الثانية الواحدة . وهكذا تعتبر الشمس ، بالقياس إلى أقرب النجوم ، كأنها على مری حجر . وهي من القرب بحيث إن الضوء بقطع المسافة التي تفصلنا عنها فيا يزيد قليلا على ثمان دقائق فقط.
وما لا شك فيه أن الشمس هي أروع شيء في السماء . فلا عجب إذن أن بعض القدماء اتخذوها إلا وعبدوها . ولا عجب أنهم كانوا يعتقدون أنها تدور حول الأرض لنشرف عليها ، كما يشرف المالك على ملكه ، ولتطمئن إلى أن كل شيء على ما يرام . إذ من السهل أن يقع المرء في مثل هذا الخطأ . فإنا أنفسنا لم نصدق أن الأرض هي التي تدور حول الشمس إلا بعد عناء كبير .
وإن الإدراك العام يجعلنا لا نستطيع أن نتصور أن شيئا ضخما وثقيلا مثل الأرض يمكن أن يتحرك . ولكننا تعلمنا بالخبرة المرة أننا لا نستطيع أن نعتمد على أعيننا – أو على العموم على حواسنا – في إصدار حكم في مثل هذه الأمور ، ونحن الآن نعلم أن الأرض تدور ، وأنها تتم دورة كاملة حول نفسها في كل ٢٤ ساعة . وهي تدور في هوادة بحيث إننا لا نشعر بحركتها على الإطلاق .
وما يجعلنا لا نحس بحركة الأرض أن كل شيء عليها يتحرك معنا . بما فيه ذلك الهواء والسحب . ونحن لا ندرك هذه الحركة إلا بملاحظة الشمس والنجوم لأن الحركة لا يمكن إدراكها إلا بإسنادها إلى شيء ثابت أو متحرك بسرعة أخرى ومعظمنا مرت به مثل هذه التجربة . وهي أن يكون بقطار يقف بجوار قطار آخر . وإذا به يرى المطار الآخر يبدأ في التحرك إلى الخلف بهدوء . ثم ينظر من النافذة التي بالجانب الآخر وإذا به يرى أن المنازل والأشجار تتحرك هي أيضا إلى الوراء . عندئذ يدرك أن قطاره هو الذي يتحرك ، وأن القطار الآخر لا يزال ساكنا في مكانه .
والأرض تجرى في الفضاء دون أن تبذل أي مجهود . ودون أن تحدث أية هزة أو رجة أثناء جريانها . وعندما يدور المكان الذي نعيش فيه حتى يقترب من الموضع الذي تصله أشعة الشمس يخيل إلينا أن الشمس ترتفع فوق الأفق من الشرق ، ويبدأ نهار جدید . وعندما نستمر في الدوران حتى نبدأ في الابتعاد عن أشعة الشمس يخيل إلينا أن الشمس تحتفي تحت الأفق في الغرب ويكتنفتنا ليل جديد .
نهار يعقبه ليل ، وليل يعقبه نهار . والأرض تدور بلا توقف ولا نهاية . وقد بدأت في هذا الدوران منذ 3٫۰۰۰ مليون سنة ، وستستمر في حركتها هذه ملايين عديدة أخرى من السنين . ولا تبطئ حركها بقدر ثانية واحدة في مدي مائة ألف سة .
قلنا إن الشمس قريبة جدا من الأرض . ولكنها قريبة فقط بالقياس إلى أبعاد النجوم . إذ أن الشمس ، في الواقع ، تبعد عن الأرض بمقدار 93 مليون میل تقريبا . وهذه المسافة تتغير تغيرة طفيفة ، لأن المسار الذي تتحرك فيه الأرض حول الشمس ليس تام الاستدارة ، بل إنه شكل بيضاوي . ولذلك فإن بعد الأرض عن الشمس يتوقف على موضع الأرض في مدارها . ثم إن | الشمس لا تقع في مركز الشكل البيضاوي تماما بل تبعد عنه قليلا .
وطول مدار الأرض حول الشمس يزيد كثيرة على 93 مليون ميل . والأرض وهي تندفع في مدارها بسرعة 67٫۰۰۰ ميل في الساعة ، تستغرق 365 يوما وربع يوم لإتمام دورها حول الشمس . وعندما تتم دورة كاملة نقول : «لقد مضت سنة أخرى ، . لأن ذلك هو معنى السنة – رحلة حول الشمس طولها نحو ۱۰۰ مليون ميل .
إن مدار الأرض حول الشمس ليس تام الاستدارة والفصول ؟ ما بالها ؟ هل نشأت نتيجة اختلاف بعد الأرض عن الشمس حسب موقعها في مدارها ؟
من الطبيعي أن نظن ذلك . ولكن لا يعود اختلاف الفصول إلى اختلاف بعد الأرض عن الشمس قط . والسبب الحقيقي في اختلاف الفصول يختلف عن ذلك تماما . فإن ما يسبب اختلاف الفصول هو میل محور الأرض الذي تدور حوله . فالأرض . وهي تدور حول الشمس . تدور حول محور يميل على مستوى دورانها حول الشمس بزاوية تبلغ ۲۳° وهذا المحور ثابت الاتجاه في الفضاء أي أن القطب الشمالي بشير دائما إلى نفس المكان في السماء ( وإن كان موقع هذا المكان يتغير بين النجوم ببطء شديد على مدى السنين ) ومعنى هذا أن أحد القطبين ، الشمالى أحيانا . والجنون أحيانا أخرى ، يكون مائلا نحو الشمس . وعندما يكون القطب الشمالى هو المتجه نحو الشمس ، فإن الفصل في نصف الكرة الشمالى يكون صيفا ، وعندما يكون متجها بعيدة | عن الشمس فإن الفصل يكون شتاء .
وبالطبع ، بصفة عامة ، تتلقى الأرض في كل شهر نفس القدر من حرارة الشمس تقريبا ، لأنه إذا كان الفصل شتاء في مكان فإنه يكون صيفا في مكان آخر. أما مقدار الحرارة التي يتلقاها مكان معين فيتوقف على موضع ذلك المكان من سطح الأرض . ففي ديسمبر من كل عام يكون القطب الشمالى مائلا بعيدة عن الشمس . ولذلك فإن الشمس لا تضيء القطب الشمالى خلال ذلك الشهر قط . وفي المناطق الشمالية تشرق الشمس متأخرة من نقطة تقع جنوب الشرق كثيرة ، ولا ترتفع في السماء كثيرا عند الظهر . ويكون النهار قصيرة والليل طويلا ، ويكون الجو باردة – لأن أشعة الشمس ، بدلا من أن تصل عمودية على الأرض ، تصل إليها مائلة .
وبعد مضي ستة أشهر ، في شهر يونية ، تكون الأرض قد انتقلت إلى الجهة الأخرى من مدارها ويصبح القطب الشمالى مائلا نحو الشمس . عند ذاك عند قمة الدنيا ، يبتهج الناس لأن الليالي الطويلة الباردة تكون قد ولت . والشمس تدور وتدور في السماء وهي على الدوام فوق الأفق ولا تغرب أبدأ في ذلك الشهر . وفي المناطق الشمالية الأخرى يصبح النهار طويلا ويبلغ في بعض البلاد : مثل واشنطن ، وجميع البلاد التي في خط عرضها شمالا ، ست عشرة ساعة . ويكون الجو دافية ممتعة . وترتفع الشمس عالية في السماء وقت الظهيرة وتكاد أشعتها تصل إلى الأرض في اتجاه عمودی .
ما الذي يحدث في الربيع وفي اخريف ؟
بين الصيف والشتاء ، لا يكون محور الأرض مائلا نحو الشمس ولا بعيدة منها . وإنما يكون مائلا ميلا جانبيا حسب . وفي ۲۱ من مارس تكون أشعة | الشمس عمودية تماما على خط الاستواء ويكون الفصل ربيعة . وفي ۲۲ من سبتمبر تكون أشعة الشمس عمودية مرة أخرى على خط الاستواء ويكون الفصل خريفة . وفي هذين اليومين فقط يتساري الليل والنهار .
ولو أن محور الأرض لم يكن مائلا ، بل كان عموديا على مستوى المدار ، لكان الأمر على العكس . ولكان الليل والنهار متساويين في كل مكان على سطح الأرض . ولكانت الشمس تشرق من الشرق تماما وتصل على الدوام إلى نفس الارتفاع في السماء . ويتوقف الارتفاع الذي تصل إليه الشمس على شي واحد فقط وهو بعد المكان عن خط الاستواء شمالا أو جنوبا . ولكان لكل مكان طقسه الخاص الثابت الذي لا يتغير ، ولا نعلمت الفصول فلا يكون هناك صيف ولا شتاء ولا ربيع ولا خريف .

أضف تعليق