خلفية تاريخية عن حضارة المايا واستخدام الأعداد فيها

أقام هنود أمريكا الوسطى (المايا) حضارة تألقت لمدة ألفين عام في نطاق جغرافي ما بين خطي عرض ۱۶ و ۲۲ شمال خط الاستواء في أمريكا الوسطى على امتداد دول المكسيك والهوندوراس وجواتيمالا والبليز وغرب السلفادور (الخارطة 5). وبقي من ورثة تلك الحضارة قرابة مليوني شخص لا يزالون يتحدثون لغة المايا ويتمسكون بهويتهم الذاتية المتميزة بالرغم من جحافل الغزاة الذين عبروا مدنهم التي اصبحت أطلالا مهجورة و شواهد حضارة تألقت ثم خبت وانطفأت .
اكتشفت آثار حضارة المايا في القرن التاسع عشر من قبل علماء الآثار حيث عثر على مدونات الثلاث دساتیر بلغة المايا ، دستور دريسدن في مدينة دريسدن بألمانيا (الشكل ۱۷ ) ، و دستور مدريد الذي يحتفظ به المتحف الأمريكي في مدريد (الشكل ۱۷ب) ، ودستور باريس الذي تقتنيه المكتبة الوطنية في باريس . هذا بالإضافة إلى الأهرامات المعروفة في المكسيك والتي أوحت لبعض الدارسين بعلاقة غامضة تربطها بأهرامات الفراعنة في مصر .
وحتى الوقت الراهن لاتزال أسباب اندثار الحضارة الماياوية لغزة لاتفسير له ، فهل يعود ذلك لأسباب ذاتية أدت إلى تدمير الصرح الحضاري لشعب المايا ، أو غزو خارجي آلت على أثره إلى السقوط ؟ قد يأتي الجواب في المستقبل من دلیل مطمور بعد أن ينفض عنه غبار الزمن والتاريخ . فالاهتمام بالحضارة الماياوية لايزال حديث العهد ولم يستقطب الدارسين إلا منذ ثلاثة عقود تقريبا .
اللغة وكتابة المايا :
لغات المايا في حقيقتها تضم ۹۲ لغة هندوأمريكية . كل مها تنفرد بها قبيلة من الهنود الأمريكيين ومن هذه اللغات لغة الميك ماك ، ولغة الزوني ، ولغة البيما ولغة شول (أو كول) ولغات أخرى . ويكتنف البحث العلمي في أصل لغة المايا أو اللغات الأمريكية القديمة كثير من الغموض ويترك أسئلة عديدة لاتزال بدون إجابة . وقد وجدت منقوشات أثرية كثيرة في أمريكة تشير إلى تشابه كبير ما بين اللغات الهندوأمريكية واللغة السامية التي كان يتحدث بها الفينيقيون . وأشار كثير من العلماء الأمريكيين عن أثر مؤكد للفينيقيين على شعوب المايا. وتبرز في هذا المجال منقوشة كتابية عثر عليها عام ۱۸۷۲ في البرازيل تدعى ” منقوشة بارایابا” جعلت العلماء ينقسمون بشأنها لأنها تفتح المجال حول تساؤلات كثيرة عن علاقة حضارة المايا بالطرف الثاني من الأطلسي . فهذه المنقوشة هي أول منقوشة كتابية من مجموعة النقوش في العالم القديم في أمريكا . وهي مكتوبة بالأحرف الفينيقية ويغلب الظن أن يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد.
وقد توصل المختصون في لغات الشرق الأدنى وكتاباتها إلى ترجمة هذه المنقوشة الحجرية حيث ورد فيها مايلي:
“نحن أبناء كنعان من صيدا التي أصبح فيها تاجر ملكة ، أرسلنا إلى هذه الأرض البعيدة ، بلاد الجبال ، وضحينا لآلهة السماء بشاب عمره 19 عامة . أبحرنا من أزيون جيبر على البحر الأحمر بعشر سفن وبقينا في البحر سنتين وأبحرنا حول أفريقية وبعد افترقنا بيد بعل (۲) ولم نعد سوية مع زملائنا وهكذا وصلنا إلى هنا وعشرة منا قضوا نحبهم: يا أبرا فلتحرسنا آلهة السماء” .
وقد استدل الكثير من العلماء من هذه المنقوشة على العلاقة ما بين الفينيقيين والمايا وكرسوا جهودهم للدراسات اللغوية المقارنة لايجاد الكلمات المشتركة ما بين اللغة السامية الفينيقية ولغة المايا وعثروا على مفردات كثيرة قادتهم إلى استدلالات إضافية عن عناصر أخرى ثقافية تجمع بين الحضارات حول طرفي الأطلسي إلا أنه لا يزال هناك عدم إجماع حول هذه الفرضيات التي تحتل حتى الوقت الراهن مواضع جدل وحوار وتأمل بين الدارسين .
أما كتابة المايا فهي عبارة عن نظام مركب من عنصرين : كتابة رمزية تعتمد على الإشارات والرسوم (كما هو حال الكتابة الهيروغليفية) ، ثم كتابة مقطعية يقصد فيها أن كل مقطع مثل حرفة. فالرمز مركب من إشارة رئيسية بالإضافة إلى لاحقة أو زائدة للرمز ليكتمل بها المعنى أو المقصود . وقد يكون هذا الرمز اسم أو فعل يساعد على استقامة الجملة أو المعنى المطلوب التعبير عنه .
الأعداد الحسابية لدى المايا :
اعتمد الحساب لدى المايا على نظام عشريني أساسه عشرون وليس عشرية أساسه العشرة . وإذا كان النظام العشري يوحي مصدره بأصابع اليد العشرة فإن النظام العشروني ربما كان مصدره أصابع الكفين والقدمين كما يعتقد بعض المؤرخين .
كما أن النظام يشمل مدلولا موضعية للأعداد ، ولكن ليس بالصورة الكاملة كما هو الحال في الأعداد الهندية وأرقامنا الحالية .
وقد استخدم شعب المايا ثلاثة رموز في الحساب فالنقطة ترمز للعدد (واحد) والخط الصغير (-) يرمز للعدد خمسة ، والصدفة أو القوقعة الصغيرة ترمز للصفر .
وقد وردت الأرقام الماياوية لعلمنا من دستور دريسدن حيث تضمنت هذه الوثيقة الأعداد الماياوية وفق هذا النظام الذي استخدم قبل ألفي عام في حضارة المايا البائدة .

أضف تعليق