جاليليو واكتشاف كوكب المشتري

فيما يلي منطقة النجيمات . وعلى بعد يبلغ خمسة أضعاف بعدنا عن الشمس ، ينطلق السيار العملاق المشتري في مداره حول الشمس ، و يبلغ المشتري من الضخامة بحيث إنه إذا جمعت جميع السيارات الأخرى معا فإنها لا تصل إلى حجمه ، وهو من الكبر بحيث إنه يتسع لألف كرة أرضية تحشد فيه حشدأ والسيار العملاق بسير في مداره سيرة وئيدا. وهو يستغرق في دورانه حول الشمس اثنتي عشرة سنة ، وهو أيضا يدور حول محوره ، وبرغم ضخامته فهو أسرع السيارات جميعا دو رانا حول محوره ، وهذا يجعله ينبعج من وسطه ، وهو منبعج إلى درجة تجعله يبدو ككرة مفلاحة .
وإذا شوهد المشترى بمنظار يكبر الأشياء ستين مرة فإنه يبدو كبيرة كالقمر ، وأول ما يلفت نظرك أشرطة تمتد عبر قرص السيار مكونة من بقع متراصة بعضها إلى جوار بعض ، وهذه البقع تتغير من أسبوع لآخر ، وإذن ما الذي يدل عليه ذلك ؟ إنه لا يدل إلا على شيء واحد هو أننا لا نری سطحا صلبا لسيار صخري ، بل سحب متحركة طافية فوق سطحه – مهما كانت طبيعة هذا السطح . وهذه السحب التي نراها هي سحب داكنة من نوع غير مألوف تدور حول السيار فوق طبقة أخرى من سحب أقل دكانة . وقد شاهد الفلكيون ، بين السحب الداكنة ، بقعة حمراء مترامية طولها
۳۰ , ۰۰۰ میل وعرضها ۷٫۰۰۰ میل . وظلوا يشاهدون هذه البقعة سنين عديدة. فمن الواضح إذن أن أشرطة البقع التي تمتد عبر قرص السيار لیست کالسحب الموجودة في جونا .
وبدراسة ضوء الشمس المنعكس من المشترى تبين لنا أن سحبه مزيج سام من غازی النوشادر وغاز المستنقعات ( الميثين Methone ) وهذه السحب تطفو في الأيدروجين وغازات أخرى . ويبلغ سمك الطبقة الغازية ۱۰ , ۰۰۰ میل! ومعنى هذا أن الضغط الجوي بالمشترى شديد للغاية . وإذا أتيح لسفينة فضائية أن تخترق الغلاف الجوي – وهو أمر بعيد الاحتمال – دون أن تسحق من شدة الضغط ، فإن مستكشفينا لن يصلوا إلى معرفة شيء عن سطح المشترى نفسه ، لأن أقدامهم ستطأ نهرأ ثلجيا يغطى الكوكب كله . وربما يبلغ سمك الجليد ۱۰ , ۰۰۰ میل ، والجو بالطبع بارد جدا هناك ، وسيجد أبطال سفينتنا الفضائية أن « الهواء » – حتى في أعلى السحاب – أبرد من « الجليد المتجمد » . وجو المشتري من البرودة بحيث إن غاز النوشادر لا بد أن يكون إما سائلا أو صليبا .
وبرغم أن المشتري غير مضياف إلى هذا الحد البعيد فإن الإنسان إذا أتيحت له فرصة النظر من خلال المنظار الفلكي فإنه يوجهه على الأرجح أولا نحو القمر ، ثم نحو المشتري . وأقمار المشترى الأربعة الكبرى قد تكون أمتع مناظر السماء إذا شوهدت من خلال المنظار . ومنذ أن كشف جاليليو هذه الأقمار الأربعة تدور ، « كالفراشات حول اللهب ، فإنها تكون مشهدة سماویا يقبل عليه النظارة إقبالا شديدا .
وقد كشف جاليليو هذه الأقمار في الأيام الأولى من عمر المنظار الفلکی ، عقب أن اخترعه صانع نظارات هولندي . وكان قد انتشر في إيطاليا كلها انتشارة سريعة أن الأشياء البعيدة يمكن أن ترى قريبة إذا نظرت من خلال أنبوبة في إحدى نهايتها عدسة محدودية وفي النهاية الأخرى عدسة مقعرة . وعندما زار جاليليو مدينة البندقية سمع بهذه الأعجوبة . وفي الحال استقر عزمه على أن يصنع واحدة بنفسه . وما إن عاد إلى مدينة بادوا التي كان. يقيم فيها حتى بدأ في إجراء التجارب على العدسات التي تصنع منها النظارات . ولم يمض اليوم التالى حتى كان قد صنع منظارة فلكيا . واستطاع هذا المنظار البدائي أن يقرب الأشياء إلى ثلث المسافة ! وبذلك استطاع جاليليو أن يرى الأشياء مكبرة تسع مرات ! ولكنه لم يقنع بهذا المنظار . فقد كان يضمر أمرا يحتاج تحقيقه إلى قوة تكبير أكبر . فشرع في تحسين منظاره . ولم يلبث أن تمكن من صنع منظار يكبر الأشياء ثلاثين مرة !
ولم يكن قد خطر ببال أحد أن يوجه المنظار نحو السماء ، فقد كان يعتبر أصلا أداة تستخدم في الحرب ، فتوجه نحو الأعداء لرؤية ماذا يفعلون . حقا لقد كان بعض الناس يسلون أنفسهم به باستخدامه لرؤية طرف برج الكنيسة أو السفن وهي في البحر . ولكن لم يخطر على بالهم قط أن يوجهوه نحو السماء . وكان جاليليو أول من فعل ذلك . وقد وجه منظاره أولا نحو القمر . ويمكنك أن تتصور دهشته عندما رأى جبالا أشد وعورة من جبال الأرض ، وفوهات متناثرة على سطحه ! فقد كان وجه القمر يبدو على الدوام ناعمة مصقولا !
ولم يعد جاليليو يعرف للنوم طعمة ؛ إذ بينما كان جميع سكان مدينة بادوا – ماعدا حراس الليل – بستسلمون للنوم ، كان جاليليو يثبت عينيه في منظاره . شاهد القمر أولا ، ثم أدار المنظار إلى النجوم الثابتة ، ثم إلى السيارات . ولم يلبث أن أدرك أنه وفق إلى كشف يفرق في الأهمية ما عرفه مواطنه (1) | الذي عبر الأطلسي ووجد قارة جديدة . فقد كشف عوالم كاملة لا مجرد قارة ، لأن هذه الأضواء المتنقلة التي رآها لم يكن كل منها في الواقع إلا عالما قائما بذاته مثل الأرض !
وفي حمى من نشوة عارمة ، حول جاليليو منظاره نحو حزام المجرة . فبدا في الحال في وضوح حشد من النجوم ! وكان إذا ما وجه منظاره إلى أي جزء من أجزاء حزام المجرة ، رأى حشدة من النجوم مائلا أمامه . وكان بعضها كبيرة وشديد اللمعان ولكن عدد النجوم الصغيرة كان من الكثرة بحيث إنه وجد من المستحيل أن بحصر عددها .
وفي ليلة من الليالى ، بعد ستة أشهر أو سبعة منذ أن بدأ جاليليو مشاهداته كان يمسح السماء بمنظاره ، وإذا به يعثر مصادفة على المشتري . فتوقف برهة الیشاهده ، ولاحظ وهو ينعم النظر وجود ثلاثة نجوم لامعة بجوار المشتري . وحيره أنه وجدها تقع على خط مستقيم . وكان نجمان منها في الجانب الشرقي يقصد كولومبس الذي كشف امریکا ، أو على الأصح جزائر الهند الغربية .
من المشتري ، والثالث في الجانب الغربي .
وفي الليلة الثالثة وجه منظاره نحو المشتري مرة أخرى ولدهشته وجد أن النجوم الثلاثة صارت كلها في الجانب الغربي للسيار . وعندما نظر إلى المشتري مرة أخرى بعد ليلتين ، ولم ير غير نجمين اثنين كان يقع كلاهما على الجانب الشرقي من المشتري ، عرف حل اللغز الذي كان يحيره . فإن هذه النجوم لم تكن نجوما وإنما كانت أقمارة للمشتري ، وأن عددها في الواقع كان أربعة أقمار !
ولم يثره شيء في السماء كما أثاره هذا الكشف ، لأن أقمار المشترى هذه أمدته ببرهان نظرية لم يكن يعتقد بصحتها إلا عدد قليل من العلماء ، برغم أن الفلكي كوبرنيق كان قد عرضها قبل ذلك بمدة طويلة . وكان جميع الناس تقریبا يعتقدون أن كل شيء يدور حول الأرض . أما كوبرنيق فكان يرى أن جميع السيارات هي التي تدور حول الشمس . وها هو ذا جاليليو بری أربعة أقمار تدور حول المشتري . فربما كان ذلك نموذجا للشمس وأسرتها – أي نظاما شمسا مصغرة .
وكان جاليليو بحاجة إلى مزيد من الأدلة . فهل يمكن للزهرة أن تمده بها ؟ وكان كوبرنيق قد قال إن الزهرة وهي تدور حول الشمس لا بد أن يكون لها أوجه مثل أوجه القمر . وتنبا أنها أحيانا تبدو كقرص کامل ، وأحيانا کهلال ، وأحيانا أخرى کربع قمر ، ثم أخيرة تختفي عن الأنظار .
ووجه جاليليو منظاره نحو الزهرة وقد شمله انفعال شديد . وكما تنبأ کویرنیق بالضبط رأي الزهرة على شكل هلال .
وقد دل ذلك على أن الزهرة لا تضيء من تلقاء نفسها وأنها إنما تعكس ضوء الشمس . ولا يظهر لنا منها إلا الجزء الذي تضيئه الشمس . ولا كان عطارد يقع بين الأرض والشمس أيضا فلا بد أن يكون له أوجه هو الآخر . وكان ذلك لا يعني لجاليليو إلا أنه لم يعد يوجد أي شك في أن جميع السيارات تدور حول الشمس . وكان بعض اليونان القدماء يرون ذلك ، ثم تبعهم بعد مدة طويلة كوبرنيق ، ثم الفلكي الألماني كبلر . ولم نؤيد المشاهدات الحسية هذه النظرية من قبل قط . ولكن ها هي ذي المشاهدات الحسية تؤيد النظرية . فما عليك إلا أن توجه منظارك الفلكي إلى الزهرة ، أو إلى أقمار المشتري .
وكل هذا لا يعتبر برهانا أكيدة . كما أن المناظير الفلكية لم تكن جيدة الصنع ، فكانت المرئيات لا تظهر بوضوح كاف . وفي تلك الأيام كان كثير من الناس يتمسكون بعناد بأن الأرض هي مركز الكون ، وأن الشمس والنجوم قد خلقت كلها لأجل الإنسان . وكانت الكنيسة المسيحية تعتقد بصحة ذلك اعتقادا جازمة . ولذلك فإن جاليليو استدعى التفسير موقفه .
وهدد بالتعذيب إن لم يسحب قوله بأن الأرض تدور . وهكذا اضطر جاليليو النفي تعاليمه السابقة ، وتعهد بأنه لن يضمن دروسه فكرة كوبرنيق . ولكن بمرور الأيام ازداد عدد الناس الذين اقتنعوا بأن الأرض لم تكن إلا واحدة من أسرة | السيارات التي تدور حول الشمس .
لا يمكن أن ينظر إنسان إلى المشتري وأقماره إلا ويرى فيها نموذجا للشمس وأسرتها . وهذا النموذج ، في الواقع ، خير بكثير مما كان جاليليو يظن . إذ أن المشتري يتبعه – بجانب الأقمار الأربعة الكبيرة – ثمانية أخرى صغيرة . ولم يتمكن جاليليو من رؤيتها لأنها صغيرة جدا حقا . جي نحن لم نر منها رؤية مباشرة إلا عشرة أقمار . وأما القمران الباقيان فلم تكشف عنهما إلا الصور الفوتوغرافية المأخوذة بالمناظير الفلكية الضخمة . وبذلك يكون للمشتري اثنا عشر قمرا .

أضف تعليق