الشمس ودورها في مد الأرض بالطاقة والحرارة

لقد اعتدنا أن نتصور أن الأرض ، بمحيطاتها الهائلة وقاراتها الفسيحة ، كرة بالغة الضخامة – فإن قطرها يبلغ نحو ۷۹۰۰ میل ، ومحيطها نحو ۲۰۰۰۰ | میل ، فماذا يبلغ حجمها بالنسبة إلى الشمس ؟ هل هي ربع الشمس؟ عشرها ؟
الواقع أن الأرض ، بالقياس إلى الشمس ، ضئيلة جدا. إذ يمكنك أن تحشو الشمس بمليون وثلاثة ألف كرة أرضية !
ولكن من العسير نصور مثل هذه الأعداد البالغة الضخامة . فلنفرض أنه يمكننا أن نكمش الشمس والأرض حتى تصبح كل منهما جزءا من ألف مليون جزء من حجمها الأصلي. عند ذلك تصبح الشمس كرة قطرها خمس أقدام ، في حين تصبح الأرض حصاة دبلية » صغيرة جدا تدور على بعد 450 قدمة من الكرة التي انكمشت إليها الشمس . حيث نكاد لا نتبينها وهي على هذا البعد نستطيع في هذين النموذجين أن ندرك مدى ضخامة الشمس بالنسبة إلى الأرض . ونحن الذين نعيش على هذه الحصاة «البلية ، الصغيرة نعتمد اعتمادا كليا على تلك الكرة التي يبلغ قطرها خمس أقدام ، والتي تحتفظ بنا أسرى ندور حولها على الدوام .
لأن الشمس هي ، من الناحية الفلكية ، أهم شيء لحياتنا . فهي التي تمدنا بالضوء والحرارة . وهي التي ، بتبخيرها لمياه الأرض ، تسبب سقوط الأمطار وهي التي بتسخينها لليابسة والبحار بدرجات مختلفة ، تسبب هبوب الرياح. وهی التي تمد النبات بالغذاء ، والنبات بدوره يمد الحيوانات و يمدنا بما نحتاج إليه من طعام ، وهي التي تمدنا بمصادر القوة ، لأن الخشب والفحم والبترول ومساقط المياه كلها من صنع الشمس .
ما أضخم كمية الضوء والحرارة التي تصبها الشمس على الأرض للقيام بكل ذلك ! ومع ذلك فإن نصيب الأرض مما تشعه الشمس في جميع الجهات ضئيل للغاية ، وتبلغ حرارة الشمس حدا يجعل أشد نيران الأرض باردة بالقياس إليها ، إذ تبلغ درجة حرارة سطح الشمس 6 , ۰۰۰ مئوية . ولا يمكن رفع حرارة أي شيء على الأرض لمثل هذه الدرجة إلا لجزء من الثانية . ومع ذلك فإن درجة حرارة باطن الشمس أعلى من ذلك بكثير، إذ تبلغ ۲۰ مليون درجة مئوية .
وفي الثانية الواحدة نصب الشمس في الفضاء أكثر من أربعة ملايين طن من الطاقة . وكلمة «طن » ليست مجرد تعبير مجازی نستخدمه ، لأن الطاقة کالمادة ، لها وزن ، وحتى الضوء الصادر من المصباح الكهربي العادي له وزن وإن كان وزنه بالطبع ضئيلا للغاية بحيث لا يمكن قياسه . أما الضوء الصادر من الشمس فيوزن بملايين الأطنان . ومن ملايين الأطنان هذه لا تحصل الأرض إلا على أربعة أرطال في الثانية . ويمكنك بعملية حسابية بسيطة أن تصل إلى أن ما يصيب الأرض في اليوم يبلغ ۱۷۳ طنا. وهذا العدد يبدو صغيرة جدا بجانب الأعداد الكبيرة التي مر ذكرها . ولكن إذا كان علينا أن ندفع ثمن ما تعمدنا به الشمس من ضوء وحرارة بلا مقابل ، فإن علينا أن ندفع ۹۸۰ , ۰۰۰ , ۰۰۰ , ۰۰۰ جنيه في الساعة الواحدة ! وهذا العدد كبير جدا لدرجة أن كثيرة من الناس لا يستطيعون قراءته ، فضلا عن فهمه . .
ولكن ما الذي يجعل الشمس تطلق هذا القدر الهائل من الطاقة باستمرار ؟ إننا نعلم أن النار تنطفي إذا لم تزود بما يجعلها تستمر في الاشتعال . ونعلم أننا أنفسنا نضعف ونفقد القدرة على بذل أي مجهود إذا لم نزود جسمنا بالطعام . فإذا كانت الشمس تفقد أربعة ملايين طن من الطاقة في الثانية الواحدة دون أن تزود من الخارج بشي ء فلماذا إذن لا تحمد ؟ والجواب أنها ستبرد فعلا بمضى الزمن . بيد أن الوقت الذي ستفقد فيه الجزء الأكبر من طاقتها وتصبح باردة بعيد بعدا يقدر بملايين السنين بحيث لا داعي لأن يشغل الناس أنفسهم به . حقا إن الشمس تستهلك مادتها لتشع طاقتها من ضوء وحرارة وغيرهما . ولكن الشمس بالغة الضخامة . وتستهلك مادتها باقتصاد شديد للغاية ، حيث إنها لا تستهلك من مواردها إلا جزءا من مليون مليون جزء …………… في السنة ! ولذلك فإن الشمس ، برغم أنها ظلت ترسل أشعتها ملايين عديدة من السنين ، فإنها لا تزال حارة للغاية . وقد بلغت من شدة الحرارة أنها وهي على بعد ۹۳ مليون ميل تبهر عيوننا ولا نستطيع أن نثبت فيها أبصارنا .
وإذن ما هي المادة التي تتكون منها الشمس ؟ بالطبع لا يمكن أن تكون مادة بالغة الحرارة كالشمس جسما صلبة .
لا يمكن بالطبع . ولذلك فالشمس في كرة ضخمة من الغازات المتوهجة وجميع الغازات التي نعرفها في الأرض أخف بكثير من أي سائل . أما في الشمس فإن جزيئات الغاز مكبوسة بعضها إلى بعض كبسة شديدة بحيث إنها في المتوسط أثقل من الماء . وهذه الجزيئات لا تعرف للسكون معني .
فهی تجيش وتتزاحم وتتدافع في ألسنة من اللهب كالنافورات . وتبدو الشمس للعين فرصة سويا واضح الحافة . وسبب ذلك أنها تلمع لمعانا شديدا بحيث إننا لا نستطيع أن نرى معالمها بوضوح .
ولكي نرى معالمها بوضوح ، علينا أن ننتظر حتى يحدث كسوف كلى لنرى تلك النافورات الغازية المتوهجة تندلع من حافتها . عند ذلك ندرك مدى الاضطراب الشديد الذي يسود الشمس . ولكننا الآن لسنا في حاجة إلى انتظار کسوف كلي فقد أمكن اختراع منظار به جهاز يغطي قرص الشمس فتبدو كما لو كانت في حالة كسوف كلى . ومن ثم فقد أصبح في الإمكان في أي وقت رؤية ألسنة اللهب وهي تندلع من الشمس . فنستطيع أن نرى نافورات الغازات الملتهبة وهي تندلع من سطح الشمس ، وترتفع إلى مئات الآلاف من الأميال . ونستطيع أن نرى فيما يلي ذلك هالة الشمس الفضية الغامضة ، التي تكون طبقة جو الشمس الخارجية ، والتي لا تشبه بحال جو الأرض . والهالة | الشمسية حارة جدا ، ورقيقة جدا ، وتحتوي على أبخرة من الحديد والنيكل والكلسيوم . ومن الممكن عندما تكون الشمس في حالة كسوف كلى تتبع هذه الحالة إلى عدة ملايين الأميال بعيدة عن الشمس .
وهذه الغازات القلقة ، التي تتكون منها الشمس ، بجانب فورانها واندلاعها | إلى أعلى ثم سقوطها ، في حالة دوران مستمر أيضا . لأن الشمس ، کالأرض ، تدور حول محورها على الدوام . وإن كان معدل دورانها بطيئا جدا . وكيف عرفنا ذلك ؟ بمراقبة البقع التي تظهر على سطح الشمس . فهذه البقع ليست ساكنة بل تتحرك جميعها في اتجاه واحد.
وقد تصاب بخيبة أمل إذا سمعت أن الشمس ليست كرة تامة الكمال . ولقد صدم العالم عندما أعلن الفلكي الإيطالي الكبير غاليليو هذه الحقيقة . ولكن ما من شك في وجود هذه البقع المعتمة على سطح الشمس . وقد يتاح لك في إحدى المرات أن تراها حتى بالعين المجردة ، بشرط أن تنظر إلى الشمس خلال زجاج مدخن للتقليل من وهجها . والبقع كبيرة دة ا ، إذ يجب أن يصل اتساعها إلى أكثر من ألف ميل حتى يمكن أن نراها من الأرض . وأحيانا يصل اتساعها إلى أكثر من ذلك بكثير . وفي سنة ۱۹۹۷ شوهدت بقعة بلغت مساحتها خمسة آلاف مليون ميل مربع . ومن الممكن أن تبلغ أكثر من مائة كرة أرضية ..|
وعادة ترى البقع الشمسية في مجموعات . وإذا شاهدت واحدة فقط فكن على ثقة أنها آخر واحدة من مجموعة بقع تلاشت واحدة بعد أخرى ؛ لأن البقع الشمسية تظهر في مجموعات . وفي بادئ الأمر تأخذ البقع في الاتساع ، ثم بعد أسبوع أو نحو ذلك تأخذ في التلاشي بوجه عام . ولكنك إذا راقبتها وهي تتحرك يوما بعد يوم يتضح لك أن الشمس تدور حول نفسها ، وإن كان دورانها ليس كدوران الأرض تماما ، لأن البقع القريبة من وسط الشمس تتحرك بسرعة أكبر من السرع التي تتحرك بها البقع البعيدة عن وسط الشمس سواء الواقعة أعلاه أو أسفله . وهذا بالطبع دليل أكيد على أن الشمس ليست جسما صلبة ؛ إذ لو كانت كذلك لكان السطح كله يدور كتلة واحدة .
وبمراقبتنا لحركة البقع خلال وجه الشمس ، تمكنا من معرفة طول و اليوم ، الشمسي – أي الزمن الذي تدور فيه الشمس حول محورها دورة كاملة .
نحن الآن نعرف أن مدة الدوران عند خط استواء الشمس تبلغ نحو خمسة وعشرين يوما ، وعند القطبين أكثر من شهر . وإذن نستطيع القول بأن « يوم » الشمس أطول من ثلاثة أسابيع، ولكن طوله يختلف باختلاف خطوط العرض .
وليست البقع الشمسية بالطبع معتمة حقا ، إذ لا يمكن أن يكون شيء ما على سطح حارکسطح الشمس معتما . وإذا ما عزلت البقع وحدها في السماء فإنها تلمع كالنجوم . ولا تبدو البقع معتمة إلا لوجودها وسط أجزاء أخرى من الشمس أشد المعانا منها . وليس لكونها تبدو معتمة سوى تفسير واحد . وهو أنها أبرد من الأجزاء المحيطة بها – أبرد بمقاييس الشمس ؛ إذ أنها في الواقع ساخنة جدا – فدرجة حرارتها تبلغ 4۰۰۰ مئوية أو ما يقاربها .
ما هي تلك البقع الغامضة التي تظهر وتختی وتدور مع سطح الشمس ؟
لا نعلم بالضبط . ولكننا نعلم أنها تشبه الزوابع الأرضية . فالغازات التي بالبقع ترتفع وتنخفض وهي تدور كالدوامة . وتذكرك حركتها الدورانية بالإعصار .
أما عدد البقع الشمسية التي تستطيع أن تراها في وقت ما فيختلف مع السنين ؛ ففي سنة فقيرة بالبقع قد ترى خمسين مجموعة منها . أما في السنوات التي تنشط فيها البقع فقد تری ۳۰۰ أو 400 مجموعة . ولكن سيلفت نظرك أمر غريب ، فإنك ستدرك أن البقع تتكرر في شبه نظام دوری ؛ إذ تكتر البقع كل إحدى عشرة سنة تقريبا ، ثم يقل عددها حتى تعود ، بعد إحدى عشرة سنة ، السنة الغنية بالبقع مرة أخرى .
وتكرار ظهور البقع الشمسية ثم تلاشيها يدل على أمر مؤكد ، وهو أن الشمس – التي تبدو لنا بهذا الهدوء والاستقرار – هي في الواقع مسرح لأشد أنواع العنف والاضطراب . فبالإضافة إلى تدفق الحرارة والضوء من أعماق الشمس إلى سطحها ، تحدث بها على نطاق واسع دورة البقع هذه التي تتكرر كل إحدى عشرة سنة . ولا تختلف كل دورة عن سابقتها إلا أن البقع تظهر في أمكنة مختلفة على سطح الشمس .
وبالطبع يعنينا أن نعرف تأثير كل هذا النشاط والاضطراب علينا . فإن الشمس تسيطر علينا سيطرة كاملة بحيث إن أي تغير في الشمس لا بد أن يكون له رد فعل علينا . فهل يصبح الطقس أبرد عندما يزداد عدد البقع الشمسية ويصبح أشد حرارة عندما يقل عددها ؟
ومن العجيب أن الجواب على هذا السؤال هو : « كلا، إذ أن البقع الشمسية ليس لها أثر مباشر على طقسنا . بيد أن لها أثرا من نوع آخر . فعندما تعبر قرص الشمس مجموعة كبيرة من البقع، تحدث في الأرض زوبعة مغناطيسية فتضطرب إذاعاتنا وتزداد الأضواء الشمالية تألقا .
هذه هي صورة الشمس . وهي صورة تختلف كل الاختلاف عن أرضنا الصلبة الرقيقة الوديعة بجوها المنعش ، ومزروعاتها الخضراء ، وأشجارها ، وسحبها ، ومع ذلك فإن الشمس والأرض يتكونان من نفس المواد . فالأكسيجين والنتروجين ، والكربون ، والحديد ، والكبريت ، والصوديوم ، وسائر العناصر الأخرى الموجودة بالأرض ، موجودة أيضا بالشمس . بيد أنه يوجد اختلاف جوهری . وهو أن هذه العناصر لا توجد بالشمس بنفس النسب التي توجد بها بالأرض . إذ لا يوجد بالشمس بكميات وافرة غير عنصرين اثنين وهما الأيدروجين والهليوم – وهما أخف عنصرين في الوجود .
وفي الواقع تكاد الشمس تكون كلها إيدروجينا وهلیومة . إذ لا توجد من العناصر الأخرى إلا آثار طفيفة . وهذا في صالحنا نحن الذين نعيش على الأرض لأن سر قوة الشمس تكمن في الأيدروجين والهليوم . فإن الشمس تستمد الطاقة الهائلة التي تشعها في الفضاء من تحويل الأيدروجين إلى الهليوم . في كل مرة تتحول فيها أربع ذرات من الأيدروجين إلى ذرة واحدة من المليوم ، ينطلق قدر قليل من الطاقة معظمها حرارة وضوء ، والأيدروجين هو في الواقع بمثابة « وقود ، تحرقه الشمس . والهليوم ما هو إلا الرماد الذي يتخلف من « احتراق » الأيدروجين . ويبدو أنه يلزم اشتراك بعض العناصر الأخرى لكي تم عملية التحويل . وإن كانت هذه العناصر لا تستهلك بل تعود في نهاية العملية كما كانت في بدايها . وكل ما في الأمر أن كمية الأيدروجين تقل تدريجا .
ولكن ينبغي ألا يستولى الفزع على أحد بسبب ذلك . فإننا نعلم أن الشمس ظلت تضيء كما تضيء الآن مئات الملايين من السنين على الأقل ؛ لأن الحياة كانت موجودة على الأرض منذ ذلك الزمن البعيد على الأقل . وبرغم ذلك فإن معظم مادة الشمس لا تزال أيدروجينا . فاطمئن ولا تدع للفزع سبيلا إلى قلباك . فإن الشمس ستظل تضيء مدى آلاف من ملايين السنين القادمة .

أضف تعليق