السيارات الضئيلة الحجم في الفضاء

بمجرد أن أخذ الفلكيون يقيسون أبعاد السيارات عن الشمس ، لفت نظرهم أمر غريب – وهو أن جميع السيارات المعروفة – ما عدا سيارة واحدة – تبعد عن الشمس بانتظام . فإن بعد كل سيار عن الشمس يعادل بعد السيار السابق له مرة ونصف مرة على وجه التقريب . والاستثناء هو المشترى ؛ فإن بين المريخ والمشتري ثغرة كبيرة .
وتساءل الفلكيون عن سبب وجود هذه الثغرة ، وعما إذا كان لا يملؤها شيء حقا؟
وفي أول يناير سنة ۱۸۰۱ كان فاكي صقلي يدعی بیازی برتب المسماء | بمنظاره الفلكي . وكان يقوم بوضع قائمة للنجوم ، وكان يعرف السماء جيدا . ولذلك فقد استولت عليه الدهشة عندما رأى نجما خافتا في موضع لم ير فيه شيئا قبل ذلك بأيام قليلة . ثم راقب السماء في الأيام التالية فوجد أن النجم الخافت يتحرك بانتظام ، وإذن فقد كان سيارة !
وكان هذا السيار الصغير الذي أطلق عليه اسم «سیریز » ، هو أول السيارات الصغيرة التي كشفت تدور ح ول الشمس في الفضاء الواقع بين المريخ والمشتري . ثم تلا ذلك كشف النجيمات : بالاس ، وفستا، وجونو. ومنذئذ کشف ألفان من هذه السيارات الصغرى ، أو النجيمات – وهو الاسم الذي أصبح يطلق عليها ، و بالطبع لا يتتبع الفلكيون حركة كل واحد من هذه النجيمات لوفرة عددها وضآلة أحجامها . وستستكشف نجيمات عديدة أخرى ، إذ لا يزال يوجد آلاف أخرى منها .
وهذه النجيمات بالغة الضالة حقا ، فإن سیریز وهو أكبرها يبلغ قطره 4۸۰ ميلا فقط ، وبالاس ۳۰۰ میل وفستا ۲۶۰ میلا ، وتلك التي يزيد قطرها على 100 ميل لا تتجاوز أصابع اليدين ( أو دستة واحدة ) . أما معظمها فلا يتجاوز قطر كل منها ميلا أو ميلين . والصغرى منها ليست حتي كروية ، فهي ليست سوى جبال كبيرة تطوح في مداراتها في الفضاء ، وإذا جمع كل ما استكشف منها في كتلة واحدة فإنها تزن أقل من جزء من ألف جزء من الأرض ، وهي من الضآلة بحيث إنه لا يوجد على أي منها أي غلاف جوى ، فإن سرعة الإفلات من أكبرها لا تبلغ إلا ثلث ميل في الثانية وهي ، باستثناء فستا ، وهو ألعها ، لا يمكن أن ترى بالعين المجردة . أما إذا شوهدت بالمنظار الفلكي فإن عددا قليلا من أكبرها فقط هو الذي يكاد يظهر كقرص .
وتستخدم آلة التصوير الآن في كشف النجيمات الجديدة ؛ لأن آلة التصوير الفلكية تتبين ما يخفى على العين . فإذا ما وجه اللوح الفوتوغرافي إلى السماء مدة نصف ساعة تقريبا فإن أي نجم يكون موجودة في منطقة السماء النجوم المعرضة للوحة يرسم خطا لامعة على اللوحة . أما النجوم التالية فإنها تظهر كجرد نقط . أما النجم فإنه يرسم خطا لأنه كان خلال مدة تعريض اللوح الفوتوغرافي يتحرك على الدوام . فآلة التصوير هي خير أداة لكشف النجيمات الجديدة . ولم يعد أحد يحاول أن يكشف نجيمة جديدة بمشاهدة السماء بالمنظار الفلكي . وقد قدمت مئات ومئات من النجيمات الصغيرة نفسها إلينا عن طريق آلة التصوير .
وكان السؤال فيما مضى : « لماذا لا يوجد سيار بين المريخ والمشترى ؟ أما الآن فالفلكيون يسألون : «لماذا توجد كل هذه النجيمات الصغرى في هذه الثغرة الكبيرة ؟ هل هي أجزاء صغيرة من المادة لم تستطع أن تتجمع في سیار كبير واحد ؟ أم هي أشلاء سيار انفجر منذ زمن طويل ؟ .
لا أحد يعلم . وربما لن نعرف الجواب الحقيني . وإنما نكتفي بأن نستمر في هدوء في كشف مزيد من النجيدات .
ومن الأمور الشائقة التي نعرفها عن النجيدات أن بعضها يقترب من الأرض كثيرة . وأن واحدة منها وهو بالغ الصغر – يقترب من الأرض أكثر من أي سيار آخر . وفي مايو سنة ۱۹۳۲ اقترب إلى ستة ملايين ونصف مليون ميل فقط . ولكن من الممكن أن يقترب إلى أكثر من ذلاك – إلى حدود ثلاثة ملايين من الأميال . وهذا البعد لا يزيد عن بعد القمر إلا اثني عشر ضعفا .
وليس ثمة داع لأن يثير ذلك قلق الناس . فخطر اصطدام نجيم بالأرض ضئيل للغاية . ولا حاجة بنا إلى القول بأن اصطدام نجيم يبلغ قطره خمسة أميال بالأرض من شأنه أن يؤدي إلى القضاء على سكان قارة كاملة . ولكن احتمال وقوع مثل هذا التصادم ضئيل للغاية . ويمكن القول إن الأرض في مأمن من وقوع مثل هذه الكارثة . ويبدو أن الأرض لم تصب بمثل هذه الضربة القاضية في خلال ألفي المليون السنة الأخيرة .

أضف تعليق