الإنسيولين والأورام .. ماذا قالوا في فيينا

في المؤتمر السنوي لرابطة دراسات السكري الأوروبية (EASD) الذي عُقد في فيينا (29 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2009) كان (وكما هو متوقع) موضوع علاقة الإنسيولين أو جميع أنواع الإنسيولين وعلاقتها بالأورام، كان لها نصيب كبير في النقاش وذلك بعقد عدة محاضرات وندوات علمية وأراء من أطباء خبراء في هذا المجال ومن جميع أنحاء العالم، وسأقوم في هذا الموضوع بسرد بعض النقاط التي تم مناقشتها بهذا الخصوص وذلك في الندوة المخصصة لمناقشة هذا الموضوع بالتحديد. والتي كانت بعنوان علاجات السكري والأورام. وقد عُقدت هذه الندوة يوم الخميس 1/10/2009. وبعد الندوة تم عقد مؤتمر صحفي لمناقشة هذا الأمر.

كان هناك خمسة محاضرات وتبعها حوالي 25 دقيقة تعقيب من قِبل رؤوساء الندوة وأسئلة وأجوبة من الحاضرين

الأولى ومدتها 15 دقيقة كانت بعنوان “علم الأوبئة وأقراص علاج السكري”،  للدكتور جيفري جونسون (J.A. Johnson) من كندا.

والثانية ومدتها 10 دقائق كانت بعنوان “الإنسيولين والميتفورمين” للدكتور سي جي كوري (C.J. Currie) من بريطانيا.

والثالثة ومدتها 15 دقيقة كانت بعنوان “آلية نمو السرطان وآلية الحماية من نمو السرطان، الإنسيولين، وإنسيولين عامل النمو-1، والميتفورمين ” للدكتوريو سميث (U. Smith) من السويد.

والرابعة ومدتها 10 دقائق كانت بعنوان “عنصر الآمان لإنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس- نظرة عامة” للدكتور جى سكايلر (J.S. Skyler) من أمريكا.

والخامسة ومدتها 10 دقائق كانت بعنوان “عنصر الآمان لإنسيولين الديتمير المعروف الليفيمير- نظرة عامة” للدكتور ديفيد راسل (Russell-Jones) من بريطانيا.

والآن لنتكلم عن هذه الندوة وما حدث فيها بإختصار شديد.

كل المحاضرين في هذه الندوة أتفقوا على أن هناك شيء واضح وهو أنه هناك زيادة في تشيخيص الأورام لدى المصابين بالسكري والذين يستخدمون الإنسيولين بصفة عامة وكذلك لمستخدمي أقراص السلفونايل يوريا (Sulphonylurea)، وهذه الزيادة ليست بالضرورة أن تكون دليل على أنها زيادة سببية … أي أنه ربما تكون هناك علاقة بزيادة نسبة تشخيص الأورام وأخذ هذا النوع من الأدوية ولكن ليست الأدوية هي السبب في الأورام أي أنه ربما تكون الأدوية زادت نسبة تشخيص الأورام لأنها تزيد من نسبة نمو الورم الذي يكون موجود بالأصل. أي أن الدواء ليس مسبب رئيسي، وحتى نقول أن الإنسيولين أو أقراص السلفونايل يوريا (Sulphonylurea) تسبب في الأورام فهذا يتطلب إجراء أبحاث من نوع آخر وليس أبحاث تحليلية كالتي نُشرت في مجلة الديابيتولوجيا في شهر يونيو الماضي.

المتحدث الأول في هذه الندوة كان جيفري جونسون (J.A. Johnson) من كندا، وقام بمراجعة بيانات ذُكرت في وقت سابق من هذا العام. عن بيانات من مقاطعة ساسكاتشيوان (Saskatchewan) وتصمنت بيانات مُجمعة عن الفترة 1995-2000 ووُجد في هذه الدراسة أن هناك زيادة بنسبة 30% (وبنسب إحصائية مهمة) من تشخيص الأورام لدى المصابين بالسكري والذين يتعاطون في أقراص السلفونايل يوريا (Sulphonylurea)، إذا ما تم مقارنتهم بالذين يتعاطون أقراص الميتفورمين (Metformin) كعلاج أحادي لداء السكري.ووُجد أيضاً أن الذين لديهم أقل من 12 وصفة إنسيولين طبية في السنة .. لديهم زيادة تشخيص وبنسبة 67% إذا ما تم مقارنتهم بالذين يتعاطون في أقراص السلفونايل يوريا (Sulphonylurea)، في حين أن الذين لديهم وصفات إنسيولين طبية أكثر في السنة فلديهم زيادة نسبة تشخيص الأورام قد تصل في بعض الأحيان إلى سبعة أضعاف المرات… هكذا قال.

وقد أقترح المنظمون للندوة على الشركتين سانوفي أفنتس (Sanovi-aventus) المصنعة لإنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus) وكذلك من شركة نوفونورديسك (Novo-Nordisk) المصنعة لإنسيولين الديتيمير المعروف الليفيمير (Levimir) على أن تقترح هذه الشركتان متحدث لكل منهما للدفاع عن الإنسيولين الشبيه الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus) وكذلك للدفاع عن الإنسيولين الشبيه الديتيمير المعروف الليفيمير (Levimir) لأنهما تعرضا للهجوم من الأربعة الأبحاث التي نُشرت في مجلة ديابيتولوجيا (Diabetologia) في شهر يونيو الماضي والهجوم كان أكثر شراسة على إنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus).

فقام الدكتور جاي سكايلر (J.Skyler) من جامعة ميامي الأمريكية بالدفاع عن إنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus) وذلك بمراجعة سريعة للأبحاث الأربعة، وأوضح بأن الأبحاث الأربعة لا تشير (من الناحية العلمية) على أن هناك شيء يخص إنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus) إذا ما تم مقارنته ببقية أنواع الإنسيولين، كما أنه تطرق إلى أن هناك دراسة مهمة لا زالت مستمرة ولم تنتهي وهي دراسة الأوريجين (ORIGIN)، وهي دراسة مهمة وكبيرة ومدتها طويلة وقوتها العلمية أقوى من الأبحاث الأربعة التي نُشرت في مجلة ديابيتولوجيا (Diabetologia) في شهر يونيو الماضي، حيث أنه طُلب من المخولون برؤية نتائج البحث عن مراجعة إحتمال تورط إنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus) وزيادة حدوث الأورام. وقال أن المخولون برؤية نتائج البحث لدراسة الأوريجين (ORIGIN)، قاموا بذلك فعلاً ، ولكنهم غير مخولين بقول نتائج البحث. ولكنهم في نفس الوقت أقرت اللجنة المخولة برؤية نتائج دراسة الأوريجين (ORIGIN)، بإستمرار الدراسة .. ما معنى هذا؟ هذا يعني أن هذه اللجنة المخولة لم ترى أية زيادة مهمة وإلاّ لأوقفت دراسة الأوريجين (ORIGIN)، كما هو متعارف عليه إذا كان هناك خطر على المنخرطين في البحوث العلمية.

وقام الدكتور دافيد راسل جونز (Russell-Jones) من بريطانيا (وكانت مهمته أسهل من مهمة سكايلر؟!! حيث أنه كان يبدو أكثر هدؤاً من سكايلر فقد كان واضحاً أن الهجوم كان على الكلارجين) فقد قام دافيد بالدفاع عن الديتمير وذلك بمراجعة بيانات لحوالي 9,000 مصاب بالسكري، وخلص إلى أنه لا يوجد أية بيانات تُشير إلى أنه ربما الديتمير بصفة خاصة يؤدي إلى زيادة نسبة حدوث الأورام. وفي المؤتمر الصحفي قال دافيد أن نسبة حدوث الأورام لمستخدمي الديتمير أقل من نسبة حدوث الأورام لمستخدمي الـ إن بي إتش (NPH) ؟!! ولا يوجد هناك فروق بين الديتمير والكلاجين ؟!! هكذا قال.

وفي المؤتمر الصحفي أيضاً، تطرق نفس الأطباء إلى بعض النقاط التالية…

الشيء الذي يبدو واضحاً أن هناك بعض الإشارات على أن العلاج بالإنسيولين (كل أنواع الإنسيولين) ربما … أقول ربما .. يجعل الشخص عُرضة أكبر للأصابة بالأورام وهناك أيضاً شيء واضح آخر هو أن إنسيولين كلارجين المعروف بالـ (لانتوس) لا يُـشكل أية خطورة في زيادة نسبة الأورام إذا ما تم مقارنته ببقية أنواع الإنسيولين، أي لا يوجد شيء خاص ومحدد لإنسيولين الكلاجين المعروف بالـ (لانتوس).

وعلى النقيض فإن أدوية علاج السكر الأخرى مثل الميتفورمين المعروف بالـ (الكلوجوفاج) ومجموعة أدوية الكليتازون (مثل البايوكليتازون والروزيكليتازون) ربما تحمي من حدوث الأورام لدى المصابين بالسكري.

 من المعروف أن إشكالية إحتمال تورط إنسيولين كلارجين المعروف بالـ (لانتوس) كانت بسبب الأربعة الأبحاث التي تم نشرها في المجلة الطبية المشهورة ديابيتولوجيا (Diabetologia) في شهر يونيو الماضي (يونيو 2009). والجدير بالذكر أن الشخصان اللذان ترأسا الندوة  المشار إليها أعلاه هما سميث (Ulf Smith) وهو رئيس الرابطة الأوروبية لدراسات السكري (EASD) وإدوين كيل (Edwin Gale) والأخير هو الرئيس أو مدير التحرير لمجلة الديابيتولوجيا وهو الذي أعطى الضوء الأخضر لنشر الأبحاث الأربعة في عدد واحد. وعندما إبتدأ تعليقه على هذا الموضوع (حيث أن هناك من إنتقد نشر هذه الأبحاث الغير واضحة في مجلة مثل مجلة الديابيتولوجيا) فعندما إبتدأ تعليقه بعد أن إنتهى كل المحاضرين من إلقاء محاضراتهم وكذلك في المؤتمر الصحفي ، فإنه وضّح وجهة نظره قائلاً بأن الدراسة الألمانية الكبيرة كانت الأولى التي عُرضت على المحررين بالمجلة لنشرها وعندما تم مراجعتها تبين أن فحواها مهم وخطير في آن واحد ولأهمية الموضوع طلب عدم نشر البحث الألماني إلاّ بإجراء ثلاث أبحاث أخرى في بلدان لها مصادر موثوقة من حيث الدقة في جمع البيانات لمرضاها وتم إختيار كل من بريطانيا وأسكتلندا والسويد وطلب من خبراء في تلك البلدان بجمع معلومات عن علاقة الإنسيولين بجميع أنواعه وبالأخص إنسيولين كلارجين المعروف بالـ (لانتوس) وعلاقتها بالأورام، وقد علّق إدوين كيل كيل (Edwin Gale) على هذا الإجراء (أي طلبه لعمل ثلاث أبحاث أخرى أنه الأول من نوعه ولم يسبق أن طلب مثل هذا الطلب وذلك لأهيمة الموضوع وحتى لا يلام على أنه إستعجل في نشر البحث الألماني)، فكانت النتائج متضاربة ومُربكة إلاّ أن إحدى الدرسات الثلاثة (الدراسة السويدية) وجدت أن هناك علاقة لإنسيولين كلارجين المعروف بالـ (لانتوس) وإحتمال تورطه في زيادة نسبة الأورام ولكن تلك العلاقة لم تبلغ الأهمية الإحصائية من الناحية العلمية، أُعيد لم تبلغ الأهمية الإحصائية، فقرر إدوين كيل (Edwin Gale) أن يمضي وينشر الأبحاث الأربعة، بحجة أن الموضوع يجب أن ينال الإهتمام من قِـبل الوسط الطبي والعمل على تجميع العديد من المعلومات بهذا الخصوص، وحسب تقديره (تقدير إدوين كيل) فإن هذا الأفضل. حتى ولو كان على حساب الإرباك التي حدث نتيجة نشر تلك الأبحاث في جميع أنحاء العالم، وقد حدث الإرباك بالفعل. وقد طلبت الهيئة الأمريكية للرقابة على الأدوية والتغذية (FDA) من الشركة المصنعة سانوفي أفينتس (Sanovi-aventus) أن تقوم بمراجعة عنصر الآمان لإنسيولين كلارجين المعروف بالـ (لانتوس) وذلك بتمويل وعمل أبحاث بهذا الخصوص.

وعلق رئيس الرابطة الأوروبية لدراسات السكري (EASD)  الدكتور أولف سميث (Ulf Smith) أن العلاقة بين إستخدام الإنسيولين بجميع أنواعه وعلاقتها بالأورام هي علاقة لا زالت بعيدة عن كونها علاقة مسبب … أي أنه من السابق لآوانه الجزم بأن الإنسيولين مسبب للأورام. وعلمياً لإثباث أن شيء مسبب لشيء، أمر ليس سهلاً على الإطلاق. ويحتاج إلى الكثير من الدراسات لإثباث علاقة المسبب لشيء ما، وقد قال سميث (Ulf Smith) أن العديد من الأبحاث يجب أن تدرس هذه العلاقة وفي الوقت نفسه لا ينصح بأية تغيير في السياسة العلاجية والتي بحاجة إلى إستخدام أية نوع من الإنسيولين.

وأخيراً بالرجوع إلى الندوة المشار إليها أعلاه فإن الحضور لتلك الندوة أتفقوا على النقاط التالية:-

  • الأبحاث التي تعتمد على دراسة بيانات بطريقة رجعية (Retrospective) كما حدث في الدراسات الأربعة التي تم نشرها في المجلة الطبية المشهورة ديابيتولوجيا (Diabetologia) في شهر يونيو الماضي (يونيو 2009) لا يمكننا أن نستخلص منها حقائق .. بل هي نظريات بحاجة إلى إثباث. ولا يمكننا الجزم بأن أية نوع من الإنسيولين مسبب أساسي للأورام (وذلك حتى الآن؟!).
  • الحجة على أن إنسيولين الكلارجين المعروف بالانتوس (Lantus) يزيد من نسبة تشخيص الأورام إذا ما تم مقارنته ببقية أنواع الإنسيولين، هي حجة ضعيفة وواهية (وذلك حتى الآن ؟!).
  • لا توجد أية زيادة في نسبة حدوث الأورام لمستخدمي أقراص الميتفورمين (Metformin) وأقراص التيازوليديندايون (Thiazolidinedione)، بل بالعكس وُجد في بعض الأبحاث أن أقراص الميتفورمين (Metformin) لوحدها أو بإستخدامها مع الإنسيولين تحدّ وتقي من حدوث الأورام.
  • أنه من المحتمل أن الإنسيولين بجميع أنواعه (من الناحية النظرية) قد يساعد على نمو الأورام لأنه عامل نمو (Growth factor).
  • أنه من المحتمل لمستخدمي الإنسيولين أن تكون الزيادة في نسبة تشيخص الأورام هي في الواقع زيادة نسبة حدوث الأورام بسبب داء السكري نفسه وليس بسبب العلاجات المستخدمة في علاج داء السكري.

أضف تعليق