استئناس الحيوانات

ترجح غالبية المؤرخين أن اكتشاف الزراعة قد سبق تدجين الحيوانات عموما – ريما مع بعض الاستثناءات القليلة – وعزز هذا الرأي استحالة استئناس الحيوانات من قبل أي جماعة تسلك طريق الارتحال من مكان لآخر بحثا عن غذائها . في حين أنه يصبح من اليسير أن ينجح الإنسان في التقارب من الحيوانات حين يجد بين يديه غذاء يجذب إليه الحيوانات . وقد يكون الكلب هو الاستثناء لهذه القاعدة، حيث تم استئناسه قبل ۱۰۰۰۰ عام قبل الميلاد ، فربما جاء تدجين الكلاب في فترة امتهان الإنسان مهنة الصيد والقنص في العصر الحجري المتوسط ، حيث يساعد الكلب الإنسان على اقتفاء آثار فريسته دون أن يشكل الكلب عبئا في تأمين غذائه .
ولا يعرف حتى الآن ما هي المراحل الأولى التي عاصرها الإنسان قبل أن يباشر في استئناس الحيوانات والتآلف معها. إلا أن العثور على رسوم لبعض الحيوانات – التي استأنسها الإنسان لاحقا – على جدران عدد من الكهوف التي يرجع تاريخها إلى نحو (۲۵۰۰۰ – ۲۸۰۰۰ سنة) توحي إلى أن هذه الحيوانات كانت مثار اهتمامه ومسرح تأملاته وخياله ، وقد استحوذت على رغباته في السيطرة عليها وإخضاعها له ومن ثم الإفادة منها الأشكال 6، 7، 8).
وتجمع الشواهد والأدلة الكثيرة التي عثر عليها على أن الماعز البري والماشية والأغنام والخنازير كانت من أوائل الحيوانات التي استأنسها الإنسان . فقد دجن الإنسان الماعز في بلاد الفرس والأناضول قبل ۷۰۰۰ سنة قبل الميلاد واستفاد الإنسان من لحمه ولبنه وجلده وشعره. ثم جاء استئناس الأغنام لاحقا بعد الماعز، وقد حدث ذلك قبل 6500 عام قبل الميلاد حول بحر قزوين حيث زودته الأغنام باللحم واللبن والصوف .
وقد عثر في كهف “بلت ” في شمال ایران على أدلة تشير إلى استئناس الإنسان الأغنام والماعز قبل 6۵۰۰ عام قبل الميلاد ، في حين يرجع تاريخ استئناس الخنازير الأولى والماشية بعد ذلك بخمسمائة عام حسب طرق التحليل الكربوني للفحم 14.
ويرشح العلماء أن الجد الأول للماعز هو مايسمى ” بالبزل” أو ” وعل فارس وأفغانستان” في حين أن الجلد الأول للأغنام هو ” الأرغل” وهي شاة وحشية تعيش في جبال البرز بایران أيضا.
ومن الملاحظ بيولوجية وأيدته الدراسات الخاصة بأقدم عظام عثر عليها من العصر الحجري الحديث أن الإنسان قد اختار في استئناسه للحيوانات منذ البداية الأنواع الصغيرة الحجم من بين الحيوانات المتوحشة لأنها أكثر ضعفا ووداعة وقد اشعرته بالأمان أكثر من غيرها ، ومن ثم تجاوز خوفه رهبة الحجم والقوة تدريجية حين ابتكر طرقة وحي ساعدته على السيطرة على الأنواع التي تتغلب عليه في قوتها وضخامتها .
ولا يعرف على وجه الدقة كيف تمكن الإنسان القديم من التحكم بالحيوانات وترويض نفورها ثم تدجينها . وقد افترض المؤرخون لتفسير ذلك بعض التصورات ، فلابد أن أسلوب نصب الفخاخ أو الحفر العميقة التي تغطيها الأغصان وأوراق الأشجار في الطرق التي اعتادت الحيوانات ارتيادها وهي في طريقها لإرواء ظمئها قد ساعد كثيرا على الإيقاع بها ومن ثم السيطرة عليها في باديء الأمر. كما أن بعض العادات المتوارثة لدى بعض الشعوب البدائية قد تلقي بضوئها لفهم ذلك . فالاعتناء بالحيوانات الوليدة وتغذيتها تنمي الألفة بين الحيوان والإنسان كما هو معلوم . كما أن لبعض الناس قدرات فائقة على تفهم طبائع الحيوانات وإدراك غرائزها ومن ثم استحواذ موهبة استمالة الحيوانات وتسخيرها للانصياع لتلبية رغبات سیدها ومالكها .
لقد دفعت احتياجات الإنسان للاحتفاظ بحيواناته التي امتلكها إلى ابتكار أدوات تساعده على ذلك ، فأنشأ الأسوار الخشبية لتحديد مساحة حركتها ، واستعان بالأوتاد التثبيتها حينا، وصنع الحبال لربطها أحيانا .
وحين تجاوز احتياج الإنسان للحيوانات إشباع جوعه ، وفطن إلى استغلال قدراتها الأخرى في التنقل البعيد وحمل أثقاله أو جر متاعه فكر مما يساعده على ذلك . ويغلب الظن أنه اهتدى بعد مدة طويلة إلى اختراع البكرة التي تطورت لاحقا لتصبح العجلة التي أوحى إنجازها بابتکارات لاحقة شكلت قفزات هامة على سلم الارتقاء الحضاري فيما بعد.
 

أضف تعليق