اختراع الكتابة وتأثيرها على التاريخ البشري

التعبير بكل أنماطه هو أداة الاتصال مع الآخر . والقدرة على الاتصال مع الآخر لیست خاصية مميزة للجنس البشري من بين مخلوقات الله جل جلاله في هذا الكون . فالكائنات الأخرى قد زودها الله بقدرات فطرية متنوعة تمكنها من الاتصال مع بعضها البعض . 
وقد اكتشف علماء الأحياء بعض وسائل اتصال الكائنات مع بعضها . فوجدوا أن ذگر حشرة القطرب تشعر أنثاها بحضورها من خلال إشارات ضوئية تصدرها . كما أن الطيور تبعث أصوات مختلفة لشد انتباه الآخر لوجودها . والقرود تلجأ إلى إطلاق أصوات صارخة لتحذير مجموعتها من وجود أفعي ، أو فهد، في محيط بيئتهم . والنحل يتبادل المعلومات عن أماكن ومصادر تغذيته بأداء رقصات معينة أصبحت معروفة .
كما تعرف العلماء أيضا على قدرات خاصة متنوعة في النباتات تتيح لها أداء وظيفة أو لغة تفاهم مع الكائنات الأخرى المسخرة لإتمام دورات الحياة والبقاء والتكاثر للكائنات الحية الحيوانية والنباتية .
إلا أن وسائل الاتصال الإنساني تختلف عن وسائل اتصال مخلوقات الله الأخرى بتعددها وتميزها .
فالإنسان هو الكائن الوحيد من بين أربعة آلاف نوع من الثدييات و أكثر من عشرة آلاف نوع من الطيور القادر على التحدث بلغة حقيقية .
واللغة الحقيقية ، أحد أهم عناصرها عنصر القواعد، والقدرة غير المتناهية على استحداث مفردات جديدة ، بالإضافة إلى أن اللغة تتيح قدرات إبداعية تتصدرها الكتابة .
وقد أرجع العلماء تاریخ تعلم الإنسان لغة الكلام المنطوقة إلى أكثر من ۱۰۰۰۰۰ سنة عبر مراحل تطور عديدة إلى أن توصل إلى لغات يتفاخر بها .
غير أن أقدم الوثائق التي عثر عليها لا ترجع تاريخ اختراع الكتابة لأبعد من ۳۳۰۰ سنة قبل الميلاد، وربما في أماكن متفرقة من العالم كما هو مرجح لدى غالبية المؤرخين ، حيث ظهرت كتابات وليس كتابة واحدة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة في كل من بلاد الرافدين ، ومصر ووادي السند ، كما ظهر شكل بدائي آخر للكتابة في الصين بعد ذلك التاريخ بنحو ألفي عام ، وذلك كجزء من مجموعة عناصر حضارية غالبا ما ترجع في أصول نشوئها إلى منطقة جنوب غرب آسيا كما يعتقد بعض المؤرخين . وقد تزامن ظهور الكتابة في الصين مع ظهور كتابة أيضا في أمريكا الوسطى لدى شعب يطلق عليه الأولميك لا تزال المعلومات التاريخية عنه شبة معدومة حتى هذا التاريخ.
إلا أن علامات الكتابة التي عثر عليها من الحضارات القديمة المتناثرة لا توحي بأصل واحد مشترك لهذه الكتابات . ولو أردنا تصور ولادات الكتابة المختلفة على خارطة العالم، فإننا سنرى عدة شعلات متباعدة مضيئة في ليل دامس ، تستقل كل شعلة منها في موقع بعيدة عن بقية الشعلات الأخرى  .
وترجح الشواهد التاريخية على أنه من الصعب جدا الفصل بين اختراع الأعداد والكتابة في منشئهما ، فربما برزت الحاجة إلى الأعداد قبل الكلمات .
فقد كان من الضروري تسجيل عدد الأشياء سواء أكانت رؤوسة للمواشي أو سلالا من الغلال . وفي باديء الأمر تم تدوين الأعداد بعمل علامات على الأخشاب والعصى، أصبحت فيما بعد إشارات على ألواح الطين أو الأوراق . وبعد أن تطورت الأمور قليلا برزت الحاجة لتدوين أعداد لأكثر من نوع واحد ومن ثم أصبح من الضروري لتمييز عدد
كل نوع استخدام إشارة أو رسم مبسط للدلالة على الشي المعدود .. وبالتدريج اتسع نطاق هذه الرسوم أو الرموز الملازمة للأعداد ودونت إلى جانبها علامات تدل على الأفعال . وبذلك أصبحت العلامات أو الرسوم تعبر عن الأشياء والأفعال جنبا إلى جنب . فالكاتب يعبر بهذه العلامات عن أفكاره من حيث دلالاتها بأشكال تختلف من لغة إلى أخرى . فيستخدم الكاتب ترکیبات صوتية جزئية مكونة من مقاطع وليس من حروف مع المحافظة على الفكرة الشكلية ، كما في الكتابة المسمارية أو الكتابة الهيروغليفية ، أو قد يستخدم الرموز المعبرة عن كلمات بالفكرة التي تتصل بالرمز من ناحية شكله وإيحاءاته .
فالكتابة المسمارية السومرية ( الاسفينية ) التي تعتبر من أهم ما قدمه السومريون  للبشرية ترجع إلى نحو ۳۳۰۰ عام قبل الميلاد . تتكون هذه الكتابة من مقاطع متراصة وليس من حروف كما سبق ذكره ، تنقش على ألواح من الطين الطري الناعم بواسطة أقلام خشبية أو معدنية على شكل مسمار أو إسفين – ( ومن هنا اكتسبت هذه التسمية فاطلق عليها الكتابة المسمارية أو الاسفينية) – وتترك بعد ذلك ألواح الطين معرضة لأشعة الشمس حتى تجف . وقد حافظت تلك الألواح على تماسكها حتى الآن بسبب جودة الطين وقد خلف الأكاديون  السومريين وتوقف استخدام لغتهم في الكلام.
إلا أن الكتبة الاكاديين الذين تولوا نقل هذه اللغة لطلبتهم أعدوا قوائم بالكلمات السومرية وطريقة نطقها مما ساعد أيضا على فك رموز هذه اللغة بواسطة العالم الألماني جيورج فريدريك جروتفند عام ۱۸۰۲ م ، ومن بعده العالم البريطاني هنري رولنسون عام 1846.
كما استخدمت الكتابة المسمارية بعد اندثار السومريين لتدوين اللغات الأكادية والبابلية والآشورية والأوغاريتية السورية وذلك قبل ابتكار الأبجدية الفينيقية وظهور الكتابة الآرامية.
وقد استمر جدل طويل بين المؤرخين حول تأريخ كل من الكتابة المسمارية والهيروغليفية المصرية ( كتابة الكهان ).
ويعتبر غالبية الباحثين أن المسمارية قد سبقت في ظهورها الهيروغليفية بقرن من الزمان على الأقل، أي أن الهيروغليفية المصرية لم تظهر إلا في عام ۳۲۰۰ قبل الميلاد في حين أن المسمارية كما ذكر سابق ترجع إلى ۳۳۰۰ قبل الميلاد.
غير أن دراسة الكشوف الأثرية التي قامت بها البعثة الألمانية في السنوات الأخيرة (۱۹۹۳) منطقة ابيدوس بصعيد مصر وتحليل العلاقة التاريخية بين مصر وسومر قد عززت التزامن التاريخي لظهور الكتابتين معا في عام ۳۳۰۰ قبل الميلاد . إلا أنها أججت جدلا حول الأصل الذي تطورت عنه الأبجدية الفينيقية في ما بعد وهل هو المسمارية السومرية أم الهيروغليفية المصرية . فالأساطير اليونانية تزعم أن الفينيقيين قد تعلموا فن الكتابة من المصريين ونقلوا هذا الفن إلى اليونان . إلا أن كثيرا من الباحثين يشككون في الأصل المصري للكتابة الفينيقية وينسبونها إلى الأكاديين الذين خلفوا السومريين في منطقة ما بين النهرین.
وتختلف الكتابة الهيروغليفية المصرية عن المسمارية السومرية في طبيعتها فالكتابة السومرية ليس لها علاقة مع أي لغة أخرى عرفت على مدى التاريخ فالسومرية تحتوي على خمسة عشر صوتا وتتركب من تجميع مقاطع لتكوين كلمة مركبة ذات معنی مرکب دون أن يكون لكلماتها تعريف كما هو الحال في اللغات السامية أو الهند – أوربية . في حين أن الهيروغليفية تشترك مع اللغات السامية في بعض التركيبات الجوهرية وبخاصتها الأساسية التي تجعل كلماتها تشتق من مصدر واحد يكون في ثلاثة أحرف على الأغلب ، إضافة إلى وجود کلمات مشتركة بين اللغتين . كما أنها تتشابه مع بعض اللغات الأفريقية مثل اللغة البربرية في شمال أفريقيا واللغة الصومالية في شرقها . وهذا ما يبرر الاعتقاد بأن سكان مصر منذ البداية كانوا خليطا من أقوام ترجع أصولهم إلى الجزيرة العربية وإلى شمال شرق أفريقيا .
وفي الوقت الذي لم يبق للكتابتين المسمارية والهيروغليفية أي أثر على الكتابات المتبقية تنفرد الكتابة الصينية عن غيرها في توارثها ثلاثة آلاف رمز من ما مجموعه 4۹۹۰۵ علامة تضمنتها الكتابة الصينية القديمة. وقد دون الصينيون القدامى كتاباتهم بحفرها على العظام ، في حين أن المصريين كما هو معروف استخدموا أقلام القصب أو البوص في رسم رسومهم الملونة ونقوشهم النافرة وكتاباتهم على شقائق من نبات البردي الذي استخدم بمثابة أول نوع من أنواع الورق في التاريخ.
أما الكتابة الهندية القديمة والتي لم تفك رموزها حتى الآن ، فتنسب إلى حضارة قامت في وادي السند في الشمال الغربي من شبه القارة الهندية ، ويرجع تاريخها إلى أواسط الألف الثالث قبل وقتنا الراهن.
وقد دامت الحضارة الهندية أكثر من ألف عام إلى أن بادت نتيجة طوفان عارم لنهر الهندوس في الغالب ولم يتبق من لغتها الغامضة أكثر من 400 رمز لكلمة لا تزال دلالاتها مجهولة .
وبالرغم من تزامن ظهور الكتابة تقريبا في أماكن مختلفة وحضارات متباعدة ، وبالرغم من أن أقدم ما نعرفه من علامات الكتابة القديمة التي وصلت إلينا من تلك المناطق المختلفة كانت متباينة عن بعضها البعض ، الأمر الذي يوحي بأنه لم يكن هناك مكان أصلي لنشوء الكتابة إلا أن المؤرخ الشهير رالف لنتون يعتقد بأن كل هذه المناطق المختلفة مشتركة في تفرعها من أصل حضاري مشترك يعود إلى المنطقة التي بدأ منها إنتاج الغذاء في جنوب غرب آسيا. كما يعتقد أنه كان لتلك الحضارة القديمة المشتركة اتجاه خاص لتسجيل الأحداث بالصور . وقد نجم عن هذا الاتجاه تطور مستقل في رسم علامات على شكل صور في أماكن متعددة داخل المنطقة .
ويعتقد أيضا المؤرخ لنتون أن الاختلافات الأصلية المحلية بين تلك الصور ازدادت باستخدام مواد مختلفة وطرق فنية مختلفة لكتابة تلك العلامات ، ولهذا السبب تأثرت – على حد اعتقاده – أشكال علامات الكتابة في مصر باستخدامها الرسوم الملونة والنقوش البارزة ، في حين أنها في بلاد ما بين النهرين تحولت إلى الرموز المسمارية نتيجة الكتابة على الطين ، وأخذت الكتابة الصينية شكلها المعروف عند حفرها على العظام .
إن إرجاع الكتابات المختلفة إلى أصل واحد هو جزء من نظرية شاملة يعتقد بصحتها المؤرخ رالف لنتون حيث يشبه الحضارة الإنسانية بشجرة التين الهندي ( شجرة البانیان ) التي تتدلى بعض فروعها باتجاه الأرض ثم تنمو من هذه الفروع الملامسة للأرض جذور جديدة تنمو بدورها ويتفرع منها فروع تتدلى هي الأخرى وتكون جذورة لها تنمو ثم تعطي فروع متجددة وهكذا.
فحضارة الإنسان ترجع إلى أصول محددة طالما أنبتت حضارات أخرى انتشرت في أماكن بعيدة عن الأصل وأصبحت بجذورها أصولا لثقافات جديدة . ويعتقد لنتون أن تفحص هذه الحضارات من منظور شمولي ودراستها تتيح التعرف على خيوط التشابه المشتركة ، ويساعد على تحديد مؤثرات كل منها في النسيج الحضاري للأخر .

أضف تعليق