اختراع الاعداد وما هي اول حضارة استخدمتها

الجذور التاريخية للعد والأعداد :
يبدو أن احتياج الإنسان إلى العد قد ظهر منذ العصر الحجري القديم ، حيث اكتشفت آثار العناصر الأولى للحساب منذ ذلك التاريخ فقد عثر في فرنسا على بقايا عظام ترجع إلى حوالي ۳۰ , 000 سنة قبل الميلاد وعليها خطوط تشير إلى استخداماتها العددية .
كما اكتشف عام ۱۹۳۷ في منطقة مورافيا بجمهورية التشيك على عظم من ساق ذئب تظهر عليه 55 حزة أو فرضا موزعة في مجموعات تضم كل مجموعة منها خمسة خطوط . كذلك عثر على حصى قديمة جدا يعود تاريخها أيضا إلى ذلك العصر ، تظهر عليها نقوش يرجح أن تكون نوعا من الأرقام أو الكتابة البدائية . هذا بالإضافة إلى أنه لوحظ وجود خطوط أيضا فوق الصخور التي تعود إلى العصر الحجري القديم يرجح العلماء إلى أن هذه الخطوط هي محاولات تدوین عددية مشوبة بالغموض الذي حال دون تفسيرها .
إلا أن أولى الوثائق المدونة عن الأعداد في الحضارات القديمة قد عثر عليها في بلاد مابين النهرين حوالي عام ۳۵۰۰ قبل الميلاد إبان الحضارة السومرية ، حيث سبق – على الأغلب – النظام العددي ظهور الكتابة المسمارية ، أو أن هناك تزامنا بين ظهورهما معا أو مع فارق زمني ليس ببعيد .
أما النظام العددي المصري فترجع أقدم الوثائق المتصلة به التي ظهرت حتى الآن إلى سنة ۳۲۰۰ قبل الميلاد.
وفي الحضارة الصينية القديمة التي قامت حول النهر الأصفر في الألف الثالث قبل الميلاد ، فإن أقدم المستندات الحفرية التي وجدت على العظام تشير إلى أن اختراع الكتابة فيها يعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وتشير هذه المدونات إلى أن الدولة في ذلك الحين كانت على درجة عالية من التنظيم ، مما يفترض ، أو يتطلب معرفة بالأعداد وما يوحي أن الأعداد كانت معروفة قبل هذا التاريخ. غير أنه من الصعب تحديد التاريخ الدقيق الظهورها ، دون العثور على مستندات تساعد على ذلك .
وتدل الكتابات الأولى التي تم اكتشافها على العظام أن الأرقام الصينية تكتب وتلفظ كما هي الآن في اللغة المستخدمة حالية .
أما الحضارة الهندية القديمة والتي يرجع تاريخها المنتصف الألف الثاني قبل الميلاد ، وتشهد الأثار المتبقية من مدنها الكبرى التي كانت عامرة في حوض نهر الهندوس في هارابه (Harappe) بمنطقة البنجاب وتموهنجو دارو بمنطقة السند (وكلاهما حاليا تتبع الباكستان على أنها كانت واحدة من الحضارات المادية الأكثر تقدما في العصور البائدة ، فلم يتم العثور على دليل عن تاريخ ابتکار هذه الحضارة للأعداد فيها . إلا أن مالدينا من أدلة عن أوجه تطور علوم أخرى ، مثل علم الفلك ، يؤكد أن الأعداد الهندية كانت معروفة قبل القرن العاشر قبل الميلاد. الترقيم والنظام العددي في حضارة مابين النهرين (ميزوبوتاميا): السومريون والبابليون):
يرجع تاريخ الألواح الطينية عند السومريين إلى ما قبل عام ۳۰۰۰ قبل الميلاد (نحو ۳۳۰۰ ق. م) إلا أن معارفنا المتعلقة بالرياضيات عموما لهذه الحضارة حديثة نسبيا حيث ندین بدراستها وتفسيرها إلى الألواح التي تم اكتشافها وتحليلها عام 1935م .
ترجع حضارة ما بين النهرين المعروفة لدى الغرب مميزوبوتاميا إلى ما قبل 4000 ق.م. حيث ظهرت الحضارة السومرية التي أقامت مدنا عريقة مثل أور، أورك ونيبور ووضعت التشريعات والقوانين الإدارية وحتى الخدمات البريدية . ومن مظاهرها المدهشة والمثيرة للإعجاب أيضا أنظمة الري والزراعة والاستفادة من خصوبة الأرض في تلك المنطقة . وفي نحو ۲۳۷۱ ق.م غزا الأكاديون السومريين وأقاموا دولتهم الأكادية كما حافظوا على إرث الحضارة السومرية والثقافة التي كانت سائدة لدى أسلافهم .
فقد كانت بدايات العد واستخدام الأعداد في بلاد ما بين النهرين (المسماة ميزوبوتاميا) في المراحل البدائية أو المتقدمة (أي نحو عام 4000 قبل الميلاد) يتم باستخدام کتل من الطين أو الصلصال – تحفر فيها ثقوب أو تجاويف صغيرة توضع فيها كرات صغيرة على شكل حصى، (Calculiform) ذات شكل كروي أو مخروطي يتناسب مع سعة وشکل التجاويف الموجودة في الكتل الصلصالية، وتشبه هذه الكرات الصغيرة أو الحصوات قطع العملة المعدنية من حيث أن كل قطعة تمثل عددا محددا يختلف عن القطعة الأخرى من حيث الشكل والحجم . فهناك قطعة تمثل العدد (واحد) لمادة ما معينة ، وهناك قطعة أخرى تمثل العدد (عشرة) لمعدود آخر وهكذا .
وفي مراحل لاحقة بعد نحو أكثر من ثمانية قرون تم تطوير هذه الطريقة فتحولت الكتل الصلصالية إلى ألواح مسطحة ، كما اختفت القطع المتنوعة (الحصی) حيث استعيضت بالكتابة المحفورة على الألواح بأشكالها المسمارية (الإسفينية المعروفة ، ويمثل الشكل  نموذجا من أحد هذه الألواح وطريقة التعبير عن بعض الأعداد .
والنظام العددي السومري ، الذي قد يكون سابقة للكتابة المسمارية السومرية هو في آن واحد ستوني أي يرتكز على الرقم 60 ، وموضعي ، بمعنى أن العدد فيه له دلالة بحسب موضعه . فقيمة الرقم تتحدد موقعه داخل العدد المكتوب.
ولفهم النظام العددي لدى = في عام ۲۱۰۰ ق.م استعاد السومريون حكمهم مرة ثانية وسادوا المنطقة حيث استمرت حضارتهم حتى عام ۲۰۰۰ ق.م تقريبا . غزا البابليون وهم من الشعوب السامية السومريين وهزموهم وأقاموا دولتهم وعاصمتها بابل وبهذا انتهى السومريون في التاريخ . بلغ أوج الحضارة البابلية في ظل ملكها العظيم حمورابي الذي حكم 43 سنة وترك للإنسانية أول مجموعة من القوانين المكتوبة على شكل نقوش على اسطوانة من حجر معين الديوريت) .
وهذه القوانين منظمة بصورة مذهلة ومبوبة إلى : قوانين خاصة بالعقارات ، وأخرى بالمنقولات ، وثالثة بالتجارة ، ثم الصناعة والعمل … وغير ذلك من التنظيم الرائع . إن الحديث عن حضارات مابين النهرين يشمل الحضارة السومرية والأكادية والبابلية التي تكون بمجموعها الإرث الحضاري لهذه المنطقة .
تاريخ العلم – الجزء الأول
السومريين عملية نأخذ الرقم (۲۲۳) فهذا يعني عند كتابته وفق هذا النظام العددي كما يلي:
۳+ (۲×60) + (۲×60×60) ففي هذا المثال استعاض الرقم (60) عن الرقم (10) في النظام العشري من حيث الموضع والقيمة .
ويتميز هذه النظام في كونه يسمح بالتعبير السهل عن الأعداد الكبيرة والصغيرة في آن واحد.
ومن حيث المبدأ فإن الترقيم الموضعي الذي هو أحد خاصتي النظام العددي السومري ، يتعارض مع مبدأ التراكم الذي كان أساس كل الأنظمة القديمة ، وما زال يستعمل في الترقيم بالأرقام الرومانية المعروفة .
ويعاني الترقيم لدى السومريين من ثغرتين مع هما: * عدم استخدام الصفر في هذا الترقيم في بداياته ، بالرغم من أنه قد تمت إضافته في بعض النصوص الفلكية فقط بعد مراحل متقدمة .
ضمن كل سلسلة من الوحدات يتم الجمع بالعشرات لأن الإشارتين المستخدمتين هما الآحاد والعشرات فقط .
ويتبادر للذهن تساؤل منطقي هو كيف وجد في فكر السومريين الأساس الستيني للنظام ؟ فإذا كان مبرر النظام العشري هو الرجوع إلى تعداد أصابع اليد العشرة ، فمن الصعب أن نعثر على تفسير منطقي حول بواعث النظام الستيني ولماذا ستيني وليس خمسيني أو أربعيني .
في الواقع حاول العلماء وضع فرضيات لتفسير دوافع هذا النظام ، إلا أن أيا منها لم تعززه بعد الأدلة القاطعة أو الأدلة التاريخية ، وإن كان بعض المؤرخين يعتقدون أن أساس هذا النظام يرجع لتقويم السنة القمرية وعدتها 360 يوما.
ولازلنا نجد في حياتنا المعاصرة أثرة لهذا النظام في التوقيت الزمني للساعة والدقيقة والثانية الذي يرجع الفضل فيه للبابليين حيث قسموا اليوم إلى أربع وعشرين ساعة وما تبع ذلك من تقسيم للوقت . كما نجد أيضا أثرة للنظام الستيني في قياس الزوايا أضف إلى آثاره ربما في العدد (۷۰) في اللغة الفرنسية حيث يلفظ كما هو معروف (ستين وعشرة) .
وقد استخدمت شعوب هذه الحضارة بصورة كبيرة المقادير الكسرية مثل : 1/2 و 1/3 و 1/4  وذلك منذ بدايات تأسیس نظامهم العددي. ومن المظاهر التي تستثير الإعجاب والتقدير لشعوب هذه الحضارة العريقة هو قدراتهم وكفاءاتهم في الحساب ، حيث وضعوا جداول مساعدة لإجراء حساباتهم .
فقد عثر في موقع صنقرة على نهر الفرات في بلاد مابين النهرين عام 1854 م على جدولين يرجع تاريخهما إلى البابليين عام ۲۰۰۰ قبل الميلاد، أحدهما جدول تربيعي للأعداد من 1 وحتى 59 والأخر جدول تكعيبي للأعداد من 1 وحتى ۳۲.
وتشهد جميع الألواح الصلصالية السومرية التي عثر عليها على أن الاستخدام الحسابي والترقيم أو الأعداد كانت تتم في بداياتها لأغراض تجارية ونفعية بحتة وليست عقلية التأسيس علمي ذي صلة بالرياضيات كعلم ، كما تطور لاحقة لدى البابليين.
الأعداد والحساب لدى المصريين :
تعتمد معارفنا بالرياضيات المصرية حاليا على عدد قليل من المخطوطات المكتوبة على ورق البردي أو الجلد. وهذه المستندات تعتبر قليلة مقارنة بالكم الهائل من المستندات عن الحضارة السومرية والبابلية .
اختراع الاعداد وما هي اول حضارة استخدمتها
ويعود ذلك إلى تلف الوثائق بسبب جفاف الطقس والحرارة وتأثيرهما السيء على المادة الخام لهذه الوثائق وهي أوراق البردي .
وبالرغم من عدد الوثائق تعتمد معارفنا بالرياضيات المصرية حاليا على عدد قليل من المخطوطات المكتوبة على ورق البردي أو الجلد. وهذه المستندات تعتبر قليلة مقارنة بالكم الهائل من المستندات عن الحضارة السومرية والبابلية . ويعود ذلك إلى تلف الوثائق بسبب جفاف الطقس والحرارة وتأثيرهما السيء على المادة الخام لهذه الوثائق وهي أوراق البردي . وبالرغم من عدد الوثائق المكتشفة حول الرياضيات لاتتجاوز أصابع اليد إلا أن أهم وثيقتين هما بردي رند ووثيقة بردي موسكو Moscow Papyrus . كما تدل الآثار التاريخية على أن المصريين اعتمدوا النظام العشري في الأعداد والذي تأسس على الأغلب نحو عام ۳۲۰۰ ق.م . يتضمن النظام المصري إشارات خاصة للآحاد والعشرات والمئات والألوف وعشرات الألوف والملايين إلا أنه لم يعرف الصفر . وتكرر إشارة العدد المراد التعبير عنه بعدد تکرار وحداته سواء كانت آحاد أم عشرات. فعندما يراد كتابة رقم ما فإن ذلك يتم من اليسار إلى اليمين بدءا من العدد الكبير وانتهاء بالعدد الصغير وللإيضاح على سبيل المثال فإن العدد ۱۹۹۶ يكتب بالشكل التالي :
اختراع الاعداد وما هي اول حضارة استخدمتها
والنظام المصري بالرغم من بساطته الظاهرة إلا أنه يؤخذ عليه وقوعه في أغلاط كثيرة نتيجة أن التعداد فيه يقتضي أحيانا تكرارة كبيرة للإشارات أو الرموز .
ومن المؤكد أن النظام المصري قد وضع نتيجة استجابة حتمية للضرورة الاقتصادية التي أفرزتها حضارة وادي النيل الممتدة في شريط من الشمال إلى الجنوب بطول ألف كيلو متر وتحكمه ملكية مركزية قوية تنطوي تحت لوائها حكومات محلية وممتلكات زراعية و موارد مالية .
ويمكن القول عموما أن نظام الحساب لدى المصريين بطيء لأنه يرجع العمليات الأربع الحسابية إلى عملية واحدة هي الجمع ومن ثم فإن خاصية هذا النظام ترتكز إلى أنه نظام حسابي جمعي.
وبالرغم من أن الأسلوب الذي اعتمده المصريون سهل عملية لأنه نظام عشري ، إلا أنه بطيء جدا ولا يعتمد على أي جهد تذكري لأنه يرجع العمليات إلى الجمع حيث افتقر النظام إلى تقديم جداول ضرب كما هو الحال في النظام السومري واكتفى معرفة الضرب بعدد اثنين أي مضاعفة العدد . واللوحة التالية تبين بعض الأعداد المصرية.
الأعداد والحساب في الحضارة الصينية القديمة :
تشير أدلة متعددة تم العثور عليها على أن الصينيين قد عرفوا الأعداد واستعملوها في عصور ما قبل التاريخ حيث ترجع إلى أكثر من أربعة عشر قرنا قبل الميلاد (۱۶۵۰ ق.م) . فالكتابات الأولى التي عثر عليها على العظام تشير إلى أن الأرقام كانت تكتب وتلفظ وفقا اللغة الصينية الحديثة (شکل 14). ففي اللغة الصينية كلمات من مقطع واحد، استخدمت في الدلالة على الأعداد العشرة الأولى وكذلك مضاعفاتها العشرية أي : ۱۰۰، ۱۰۰۰ ، ۱۰۰۰۰ . ولاتزال هذه الاستخدامات للأعداد العشرية موجودة في بعض اللغات التي تنتمي للغة الصينية الأم مثل اللغة التايبتية البير مانية وفي لغات أخرى مجاورة أيضا مثل لغة الثاي (Thai) .
والنظام العددي الصيني هو نظام عشري منذ بداياته إلا أنه يفتقر إلى الصفر الذي لم يكن معروفة لديهم في ذلك الحين . وقد استعان الصينيون لكتابة الأعداد بالأعواد الصغيرة، التي كانت توضع على مساحة مربعة أو مستطيلة ثم تخطط فيها حقول أو أعمدة وصف الأعداد المطلوب التعبير عنها . فعندما يراد كتابة عدد أورقم مركب يحلل العدد بداية تحليلا عشرية ، ثم تصف الأعواد المطابقة لعدد الآحاد في الحقل الأول من جهة اليمين ، والعدد الموافق للعشرات على نفس المستوى في الحقل المجاور على جهة اليسار. أما العدد المقابل للمئات فيوضع أيضا في الحقل اليساري التالي المجاور لحقل العشرات . وبهذا يتكون فوق المساحة المعدة لكتابة العدد رقما يطابق العدد المطلوب كتابته .
كما ساعدت طريقة الكتابة على الألواح المربعة أو المستطيلة في إجراء عمليات الجمع والطرح ، حيث تجرى مباشرة بعد كتابة الأعداد بواسطة الأعواد ويتم الحصول على النتيجة بإجراء جمع أو طرح الأعواد في كل حقل .
وفي حوالي القرن العاشر قبل الميلاد استخدم الصينيون ألواح العد لإجراء حساباتهم ، والتي تطورت لاحقا بعد احتكاكهم بالرومان خلال حكم أسرة (Han Dynasty) (۲۰۰ ق.م. إلى ۲۰۰ بعد الميلاد إلى المعداد (Abacus) الصيني المعروف والذي يسمى بالصينية سوان بان(۱) Suan Pan ومن الصين انتقل المعداد إلى اليابانيين وأصبح أداة إجراء الحسابات الشعبية لدى شعوب شرق آسيا
(1) المعداد : Abacus يسمى بالصيني Suan Pan، وبالياباني Soroban وهو أداة لإجراء الحسابات ، استخدمت منذ عهود بعيدة وفي جميع الحضارات القديمة منذ الإمبراطورية اليونانية والرومانية وفي أسيا لدى الصين والهند واليابان . وقد جاء المعداد نتيجة لتطور ألواح العدسابقة. لايعرف بالضبط التاريخ الذي ابتكرت فيه ألواح الحسابات التي تطورت فيما بعد إلى المعداد . إلا أن أقدم لوح عثر عليه يسمى لوح Salamis Tabletويعود هذه اللوح إلى اليونان إبان إزدهار الحضارة اليونانية وهو موجود حاليا بالمتحف الوطني باثينا وأبعاده هي ۱۹۹ × ۷۰سم وسماكته 4 , 5 سم . أما المعداد فيعتقد بعض المؤرخين أن تاریخ ابتكاره يعود للفترة ما بين ۲۳۰۰ ق.م – ۰۰۰ ق.م. ولم يعرف بعد مبتكروه . وقد استخدم المعداد منذ عرف و إلى وقت قريب ، حتى أنه استخدم من قبل العلماء الروس في بعض العمليات الحسابية التي أجريت قبل إطلاق أول ساتل فضائي روسي وهو سبوتنيك عام ۱۹۵۷م.
الأعداد والحساب في الحضارة الهندية :
يعتبر تاريخ الهند القديم في نظر المؤرخين هو الأكثر غموضا نسبة لما تم العثور عليه من بين الحضارات البائدة التي سبقت أو عاصرت الحضارة الهندية مثل السومرية والبابلية والفرعونية والصينية والفارسية. ويعزو المؤرخون غموضه إلى اختفاء آثار هذه الحضارة نتيجة كوارث طبيعية أو أحداث تاريخية . إلا أن ما تبقى من شواهد في منطقتي موهنجو دارو وهارابه – التي سبق ذكرهما- يدل على أن جذور هذه الحضارة يرجع إلى نحو عام ۲۵۰۰ قبل الميلاد . إلا أن الأدلة التاريخية التي تعود بنا إلى ذلك التاريخ تختفي أو تنقطع مرة أخرى لتطمس ألف سنة من عمر تلك الحضارة ثم تظهر من جديد لتشهد على الحضارة الهندية خلال الفترة ما بين ۱۲۰۰ ق.م – ۸۰۰ ق.م بعد أن يهيمن الجنس الآري على القارة الهندية وتظهر كتبهم الدينية المسماة بالفيدا (أو المعرفة والمدونة باللغة السنسكريتية . ويجمع مؤرخو العلم على أن أبرز ما تدین به البشرية للحضارة الهندية القديمة هو أختراعهم للأعداد و نظام العد العشري.
ولعل استرجاع مقولة العالم الفرنسي الشهير “لابلاس (۱) عن فضل الحضارة الهندية على الإنسانية من خلال نظامهم العشري في الأعداد الذي أخذت به فيما بعد الأمم الأخرى يلخص قيمة هذا الابتكار ، يقول لابلاس :
” إنها الهند التي علمتنا الطريقة العبقرية في التعبير عن كافة الأعداد بواسطة عشرة رموز بحيث يكون لكل رمز قيمة تستمد من موضعه في العدد ، فضلا عن قيمته الذاتية المطلقة . إنها لفكرة عميقة وهامة تبدو لنا من البساطة بحيث ننسى ما هو جدير بها من إجلال وتقدير ، لكن بساطتها وسهولتها التي أدخلتها على العمليات الحسابية كلها قد جعلت من علم الحساب ما هو عليه الآن . لقد غاب هذا الابتكار العظيم عن عبقرية أرخميدس) وأبولونیوس ” .
ومن غير المعروف التاريخ الدقيق لابتكار الأعداد الهندية إلا أن أقدم الأدلة عنها قد وجدت منقوشة على صخرة المراسيم التي خلفها الملك أشوكا (۳) عام ۲۵6 قبل الميلاد أي قبل استخدامها من قبل العرب بعدة قرون.
وقد عرف العالم عن فكر وفلسفة وعلوم الهند بما في ذلك مساهماتهم في الرياضيات من خلال العالم المسلم البيروني الذي تعتبر مؤلفاته عن الهند مصدر المعرفة الرئيسي للمؤرخين عن الحضارة الهندية القديمة . وعبر تاريخ الهند الطويل تطورت رموز کتابة الأعداد عدة مرات إلى أن توصلت إلى الرموز الحالية المعروفة بالأعداد الهندية والتي نقلها المسلمون للعالم .
إلا أن بعض المؤرخين يعزون فضل الحضارة الهندية على الرياضيات عموما باستخدامهم أو إشاعتهم الصفر  . والصفر له مدلولان الأول لتعيين مكان الخانة الفارغة
في العدد ، والثاني استخدامه كعدد . والاستخدام الأول للصفر ورد ذكره في الرياضيات البابلية منذ القرن الثالث ق.م ، إلا أن بعض الأدلة عن استخدام الصفر كرقم في الرياضيات الهندية ترجع إلى حوالي عام 650 ميلادي . في حين أن استخدام الهنود للصفر للدلالة على فراغ الخانة يرجع إلى نحو ۲۰۰ میلادي ، ومعظم المعلومات عن استخدام الصفر کعدد لدى الهنود تعزى إلى مؤلفات عالم الرياضيات والفلك الهندي براهماجوبتا (۵۹۸ – 670م). ويعتبر اكتشاف الصفر في رأي العالم الفرنسي لابلاس من أعظم الإنجازات البشرية . ويقول عالم الرياضيات لانسلوت هوجين عن هذا الابتكار : “لم يحدث في تاريخ الرياضيات خطوة انقلابية أكثر جرأة من اختراع الهنود للصفر للدلالة على الخانة الخالية في العدد الحسابي”.
فاکتشاف الصفر فتح المجال للتعبير عن أي عدد مهما بلغ بتسعة أرقام فقط ، كما أنه أتاح إجراء عمليات الجمع على الورق ، ولقد كان من المستحيل أن يتطور الحساب بدون اختراع الصفر ، وبدون الحساب ما كان ممكن أن يخطو علم الجبر خطوة إلى الأمام . وكما يعزى للمسلمين الفضل في نقل مساهمات العلماء الهنود في العلوم إلى الغرب ومن ثم الإفادة منها في الحضارة الغربية ، كذلك يعزى إلى الصينيين الفضل في إيصالها للشرق وشعوب شرق آسیا .

أضف تعليق