أين موقعنا من العالم ؟

عندما تنظر إلى السماء عقب غروب الشمس ، وترى أول نجم يلمع في عتمة الليل المبكر ، فإنك تشعر على الدوام بنشوة كبرى . وبمجرد أن تلمحه تجده کشرارة صغيرة تلمع في شدة وإصرار ، حتى ليبدو كأنه مصباح كهربي أضاءته فجأة يد خفية . وفي الواقع كان كثير من القدماء يعتقدون أن أرواحة سماوية تنتقل خلال السماء وتشعل النجوم واحدة بعد آخر . ولا يمكن أن تلوهم ؛ فهي تبدو لنا كذلك أيضا . ولكن معلوماتنا تزيد على معلوماتهم كثيرا . فالنجوم موجودة أيضا طول النهار . وهي تلمع نهارا وليلا . والسبب الوحيد في أننا لا نراها بالنهار هو أن السماء الزرقاء تكون بالنهار شديدة الضياء بحيث يطغى نورها على لمعان النجوم .
ثم يخيم الظلام بطء وتظهر نجوم كثيرة نجمة بعد نجم. وتبدأ في عدها ، ثم لا تلبث أن تعدل عن ذلك قائلا : «إن النجوم لا حصر لها ». ويظل وجهك مرفوعا نحو السماء وقد استولى عليك العجب والدهشة . وإذا كانت الليلة غير مقمرة وكنت بعيدة عن أضواء المدينة ، التي تقلل من وضوح النجوم ، فإنك نرى منظرا من أروع المناظر الطبيعية .
وعندما تتأمل السماء يبدو لك أنها قبة كبيرة فوق رأسك ، وأن النجوم مثبتة في هذه القبة الهائلة . والنجوم لا تبدو بعيدة جدا ، بل يخيل إليك أنها على بعد میل واحد أو ميلين على الأكثر . ومن عجب أنها جميعا ، برغم تألق بعضها خفوت بعضها الآخر ، تبدو أنها على بعد واحد تقريبا .
وستلاحظ أن بعض النجوم تنتظر في مجموعات كما لو كانت مرتبطة بعضها ببعض . وتسمى هذه المجموعات بالكوكبات . ولكن سيكون من العسير عليك أن ترى في الكوكبات تلك الصور التي كان القدماء يرونها فيها . فهما حاولت فلن تجد مجموعة من النجوم تتخذ صورة ثور أو كلب أو أسد أو وحش بری مخيف ، أو أي واحد من الأبطال الذين تزخر بهم الأساطير اليونانية . وقد تلتقط مجموعة على هيئة u أو v أو W ولكن لا شيء غير ذلك تقريبا ولكنك ستجد في الشمال وعاء الدب الأكبر  وهو مكون من سبعة نجوم لامعة وستعرف الوعاء كصديق مألوف لك ؛ لأنه أحد المجموعات القليلة التي تخذ فعلا الشكل الذي تسمی.
والآن وقد تلحست موقع وعاء الدب الأكبر فإنك تشعر بالثقة بنفسك ، وأنك تعرف طريقك . وتتنقل عينك من نجم لامع إلى نجم لامع حتى تستقر أخيرة على أروع منظر في السماء – ذلك الحزام الأبيض العريض الخافت الذي يمتد خلال المياء كلها ويقسمها إلى نصفين متساويين . ولعلك تعلم أن ذلك الحزام هو الذي يعرفه العامة في مصر باسم درب التبانة ، والذي كان العرب يسمونه المجرة  ، كما كانوا يصفونه بأم النجوم . ولعلك سمعت أن حزام المجرة يحتوي على ملايين النجوم . ولكنك مهما حاولت فلن تستطيع أن تميز كلا منها على حدة . وستتساءل متعجبا : ولماذا يوجد في حزام المجرة نجوم أكثر مما يوجد خارجه ؟ » .
ثم تنتقل بعد ذلك إلى السؤال : « إن الأرض التي أقف عليها هي أيضا جرم سماوي . وهي أيضا تحتل مكانة ما في الفضاء بين هذه النجوم . ولكن أين؟ أنا أعلم أنها تابعة للشمس لأنها تدور حولها ، ولكن ما هو موقع الشمس من تلك النجوم التي تبدو قريبة جدا فوق رءوسنا ؟».
إنه يخيل إليك أن معلوماتك عن النجوم قليلة جدا ، ولكن سؤالك هذا يين أن معلوماتك تزيد كثيرة على معلومات حكماء العصور القديمة ؛ إذ لم يغار وبالهم قط أن يسألوا : «أين مكاننا من العالم ؟ ، فقد كانوا يعتبرون من الأمور المسلم بها أن الأرض هي مركز الكون . وأن الشمس والقمر والنجوم لم تخلق إلا | الخدمة الأرض – لتمدنا الشمس بالضياء نهارة ، والقمر والنجوم به ليلا. إذ من ذا | يشك في ذلك ؟ ألا يرى كل من له عينان أن الشمس تشرق من جهة الشرق ، ثم تتحرك فوق الأرض ، ثم تغرب من جهة الغرب ؟ وأن القمر والنجوم هي أيضا تشرق وتغرب مثل الشمس ؟ |
إننا الآن نعرف خيرة من ذلك ؛ فنحن نعلم أن الشمس تبدو ظاهريا فقط كأنها تشرق وتغرب ، وأن النجوم تبدو ظاهريا فقط كأنها تدور حول الأرض ، لأننا نعلم أن دوران الأرض هو الذي يجعل الشمس والنجوم تبدو كأنها هي التي تدور حول الأرض .
ولكن يجب ألا ننسب لأنفسنا فضلا أكثر مما ينبغي ، فإننا لا نزيد حكمة عن القدماء . حقا إننا جميعا تقریبا نعرف أكثر مما كانوا يعرفونه . ولكن ذلك يعود إلى حد ما إلى أننا نقف فوق أكتافهم – نضيف معلوماتنا إلى معلوماتهم . أضف إلى ذلك أنه أصبح في حوزتنا في مدة الثلثمائة السنة الأخيرة جهاز عجيب يسمى المنظار الفلكي . وقد مكننا هذا المنظار من رؤية عدد من الأجرام السماوية يزيد كثيرة جدا على تلك التي يمكن أن نراها بالعين المجردة ، كما أنه يجعلها تبدو أقرب كثيرة . وهذه – كما ستجد فيا يلى – ميزة كبرى تمتاز بها على القدماء .
ونتيجة لاستخدام المنظار الفلكي في رصد الأجرام السماوية ، وجمع معلومات من هنا وهناك ، والوصول بين حين وآخر إلى استكشاف قانون هام من قوانين الطبيعة ، وإجراء عمليات رياضية معقدة ، تمكن الفلكيون من جمع معلومات وافرة عن الشمس والقمر والنجوم . ويستطيع العلماء الآن رسم خرائط للقمر يستطيع أن يسترشد بها رواد الفضاء . وبلغ إلمامهم بالشمس ما مكنهم من أن يصوروا في دقة متناهية البقع التي تظهر على سطحها. كما أصبحوا يعرفون أحجام النجوم ، ودرجة حرارتها والمواد التي تتكون منها ، وسرعتها ، والاتجاه الذي تتحرك فيه . و بستطيعون أن يميزوا بين النجوم القريبة والنجوم البعيدة . بل إنهم يستطيعون الإجابة عن السؤال الذي سألته منذ قليل – فقد تمكنوا من تحديد الموقع الذي تشغله أرضنا في الفضاء !
قلب وجهك في السماء وانظر إلى حزام المجرة . إن هذا الحزام الأبيض الغامض هو موطننا . إنه ينتمي إلينا ونحن ننتمي إليه . والشمس والأرض وجميع الكواكب السيارة هي جزء من هذا الممر المضيء الذي يقدم الماء إلى نصفين . إن حزام المجرة هو موطننا في السماء .

أضف تعليق